كُتاب الرأي

بين رسالة الشعر وضجيج المهاترات

بين رسالة الشعر وضجيج المهاترات

قراءة نقدية في القلطة والعرضة الجنوبية 

منذ القدم، ظل الشعر الشعبي في الجزيرة العربية صوتًا نابضًا للمجتمع، يحمل قيمه، ويؤرخ لأحداثه، وهو مرآة وجدان المجتمع. ولم يكن مجرد وسيلة للتسلية أو التنافس، بل كان مدرسة في الحكمة، ومنبّـرًا للفروسية، ولسانًا للهوية الثقافية، وبه تُخلّد البطولات، وتُنتقد الظواهر السلبية، و يُحتفَى بالمكارم والفضائل. ومن بين أبرز فنونه يبرز شعر القلطة والعرضة الجنوبية، وهما لونان متجذّران في الذاكرة الشعبية، لكل منهما خصوصيته الفنية والاجتماعية، وإن جمعهما عشق الكلمة وجمال الأداء.

  غير أن بعض الممارسات التي تظهر في المناسبات الشعرية تستحق الوقوف عندها، وفي مقدمتها ما يمكن تسميته بـ”المهاترات الشعرية”، وهي تلك المجادلات التي تتجاوز حدود التنافس الأدبي إلى التراشق اللفظي، أو التقليل من شأن الآخر، أو استدعاء العصبية القبلية، فيبتعد الشعر عن رسالته الجمالية ليصبح ساحةً للخصومة.

  في شعر القلطة، تقوم المحاورة على سرعة البديهة، وقوة الرد، وإحكام الوزن والقافية، وهي عناصر تجعل هذا الفن من أصعب الفنون الشعرية وأجملها في آنٍ واحد. لكن هذه الطبيعة التنافسية قد تدفع بعض الشعراء إلى الاعتقاد بأن الانتصار يتحقق بحِدّة العبارة وقسوة الرد، بينما الحقيقة أن الشاعر المتمكن هو من يهزم خصمه بجمال المعنى، وعمق الفكرة، وسمو الأخلاق، لا بالإساءة أو التجريح. فالمتلقي الواعي لا يصفق للكلمة الجارحة بقدر ما يطرب للبيت الذي يجمع بين الذكاء والبلاغة.

أما العرضة الجنوبية، فهي ليست مجرد قصيدة تُلقى، بل هي مشهد ثقافي متكامل، يمتزج فيه الشعر بالإيقاع والحركة، وتلتقي فيه الأصوات على معاني الشجاعة والوفاء والكرم والانتماء. ولهذا ظلّت العرضة عبر تاريخها رمزًا للوحدة والتلاحم الاجتماعي، ولم تُبنَ على فكرة الخصومة أو الانتصار على الآخر. وإن ظهرت فيها بعض المفاخرات، فإنها تبقى جزءًا من تقاليد الشعر العربي التي تحتفي بالاعتزاز بالذات، ما دامت لا تتحول إلى إساءة أو إثارة للنعرات.

إن المشكلة ليست في المنافسة، فالمنافسة هي التي تصنع الإبداع، وإنما في اختزال قيمة الشعر في القدرة على النيل من الآخرين. فحين تتحول المحاورة إلى مهاترة، يفقد الشعر هيبته، ويتراجع حضوره الثقافي أمام ضجيج الانفعال، وتصبح القصيدة أسيرة لحظة عابرة، بدل أن تكون أثرًا فنّـيًّـا خالدًا.

وقد عُرف عن كبار شعراء المحاورات أنهم كانوا يختلفون فوق المنصة، ثم يتصافحون بعد انتهاء الأمسية، لأنهم كانوا يدركون أن الخصومة تنتهي بانتهاء القصيدة، بينما يبقى الاحترام قيمة لا يجوز التفريط بها. وهذه الروح هي التي صنعت المكانة الرفيعة لهذا الفن، وهي التي ينبغي أن تُحافظ عليها الأجيال الجديدة.

وفي زمن تتسارع فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت أي كلمة تُقال قابلة للانتشار والتأويل، وهو ما يضاعف مسؤولية الشاعر والإعلامي والمنظم والجمهور على حد سواء. فالكلمة لم تعد حبيسة المجلس، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الرقمية، ولذلك فإن الحكمة في اختيارها أصبحت ضرورة ثقافية وأخلاقية.

  إن شعر القلطة والعرضة الجنوبية ليسا بحاجة إلى المهاترات ليستمرَّا؛ فقد بقيا لعقود طويلة بما يحملانه من جمال فني وثراء لغوي وصدق اجتماعي. وما يحتاجانه اليوم هو إعادة التأكيد على رسالتهما الحضارية، بوصفهما فنّين يعكسان أصالة المجتمع السعودي، ويسهمان في تعزيز الهوية الوطنية، وإبراز ثراء الموروث الثقافي الذي تزخر به مناطق المملكة.

  ويبقى الشعر، في نهاية المطاف، رسالة قبل أن يكون منافسة، وإبداعًا قبل أن يكون انتصارًا، والكلمة الجميلة هي التي تبني الجسور بين الناس، أما الكلمة الجارحة فلا تترك سوى صدًى عابر، سرعان ما يذوب، بينما يبقى الأدب الرفيع شاهدًا على رقي قائله وسمو رسالته.

كلمة أخيرة: 

“ الأدب لا يكون أدبًا إلا إذا ارتفع بالإنسان، وهذّب وجدانه، ووسّع أفقه” . طه حسين 

بقلم: تركي بن عطية المالكي 

كاتب رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.