كُتاب الرأي

نحو دحر عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة .

نحو دحر عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة .

رؤية تحليلية .

الثلاثاء الموافق ( 8 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ لا تقاس قوة الهجوم بعدد المحاور المفتوحة وحدها بل بقدرة القيادة على حشد القوة في اتجاه الجهد الرئيسي وتثبيت الخصم على بقية المحاور ثم استثمار النجاح . }

تدل مجمل المؤشرات الميدانية على أن العمليات العسكرية الجارية في اليمن بدأت تتجاوز نمط الاشتباكات المحدودة على خطوط التماس إلى ضغط عملياتي أوسع يمتد عبر محاور متباعدة في الجوف والبيضاء وتعز والساحل الغربي . ولا تكمن أهمية هذا التطور في عدد المواقع التي تستعيدها القوات المسلحة اليمنية وحده وإنما في قدرتها على انتزاع المبادأة وإجبار عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة على الانتقال تدريجيا من محاولة فرض الحركة في الميدان إلى مواجهة تهديدات متزامنة والدفاع عن مناطق سيطرتها .

فالسيطرة على معسكر اللبنات ومحيطه وقرية المساعفة في الجوف واستمرار التقدم باتجاه الحزم بالتزامن مع العمليات في تعز والساحل الغربي واتساع العمليات العسكرية في البيضاء لا تعني أن هذه الجبهات قد حسمت عسكريا لكنها تكشف تغيرا مهما في نمط إدارة المعركة . فالضغط لم يعد يأتي من اتجاه واحد تستطيع الميليشيا الحوثية الإرهابية مواجهته بحشد قواتها واحتياطياتها وإنما أصبح موزعا على محاور متباعدة تفرض عليها حسابات أكثر تعقيدا في توزيع القوة والمحافظة على خطوط الإمداد وحرية المناورة .

وهنا تظهر إحدى أهم المسائل العسكرية في قراءة العمليات الحالية وهي اتجاه الجهد الرئيسي . فتعدد محاور العمليات لا يعني تساويها في الأهمية العسكرية؛ إذ قد يتركز الجهد الرئيسي في أحدها بينما تؤدي المحاور الأخرى جهودا مساندة لتثبيت قوات الخصم وتشتيت احتياطياته وحرمانه من حرية المناورة وتهيئة الظروف لتحقيق الغرض الرئيسي للعملية .

بطبيعة الحال لا تستطيع المصادر الإعلامية المفتوحة حتى الآن الجزم بالمحور الذي يحمل الجهد الرئيسي وقد يكون استمرار الغموض حوله عاملا يخدم حرية العمل والمبادأة لدى القوات الشرعية .

والجهود المساندة لا يشترط أن تحقق اختراقا عميقا حتى تؤدي غرضها العملياتي . فقد تحقق مهمتها بمجرد تثبيت قوات الخصم وإجباره على الاحتفاظ بقوات واحتياطيات في مواجهتها ومنعه من إعادة تجميعها أو نقلها باتجاه الجهد الرئيسي . وهنا تصبح قيمة المحور مرتبطة بما يستنزفه من قدرة الخصم على المناورة بقدر ارتباطها بما يستعاد فيه من أرض .

وتكتسب جبهة الجوف أهمية عملياتية متزايدة بعد السيطرة على معسكر اللبنات ومحيطه وقرية المساعفة واستمرار التقدم في مسار الحزم . فالقيمة العسكرية لهذا التطور لا تتوقف عند استعادة معسكر أو مساحة من الأرض وإنما ترتبط باستمرار حركة القوات المهاجمة ونقل الضغط تدريجيا باتجاه عمق المحافظة مع ما قد يفرضه ذلك على عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة من إعادة توزيع قواتها واحتياطياتها لحماية الحزم وطرق الاقتراب إليها . ومع ذلك تقتضي القراءة العسكرية المنضبطة عدم استباق النتائج فالتقدم باتجاه الحزم والاقتراب من محيطها لا يعني سقوط المدينة أو اكتمال السيطرة عليها ما لم تثبت الوقائع الميدانية ذلك .

وفي الساحل الغربي تطور الضغط شمال حيس مع تقدم القوات باتجاه الجراحي ووصول العمليات إليها بالتوازي مع استمرار المواجهات غرب تعز والكدحة ومقبنة . ويكتسب ترابط هذه المحاور أهميته من اتصالها بطرق الحركة والإمداد وبالمجال الجغرافي المؤدي إلى الساحل والبحر الأحمر وباب المندب . وكل ضغط مستمر في هذه المنطقة قد يجبر الزمرة الحوثية الإرهابية على تخصيص مزيد من قواتها لحماية مواقعها وأجنحتها وطرق إمدادها بدلا من الاحتفاظ باحتياطيات قادرة على المناورة بين الجبهات .

أما البيضاء فقد أضافت اتجاها جديدا للضغط مع بدء العمليات العسكرية وتحقيق تقدم في مديرية الزاهر انطلاقا من اتجاه الحد يافع . وموقع المحافظة يمنح استمرار العمليات فيها أهمية متزايدة إذا تمكنت القوات المسلحة اليمنية من تثبيت مكاسبها وتطوير الهجوم وربطه بالمحاور المجاورة . فالنتيجة العملياتية الأهم عندئذ لن تكون استعادة مواقع منفردة وإنما إجبار الفئة الحوثية الإرهابية على دفع المزيد من احتياطياتها إلى اتجاه إضافي في وقت تحتاج فيه إلى تلك الاحتياطيات في الجوف وتعز والساحل الغربي .

ويكتسب تعدد محاور الضغط قيمة أكبر إذا تمكنت القوات المسلحة اليمنية من استثماره في تقييد حرية مناورة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة وإجبارها على توزيع احتياطياتها وحماية أجنحتها وطرق إمدادها في وقت واحد . فالقيمة العملياتية ليست في فتح الجبهات بذاتها وإنما في قدرتها على تثبيت قوات الخصم وإرباك إعادة تجميعه وتهيئة الظروف لحشد القوة في اتجاه الجهد الرئيسي واستثمار النجاح فيه .

وهنا تتحول مساحة السيطرة المعينة من ميزة جغرافية إلى عبء عملياتي كلما تعددت المحاور وطالت خطوط الإمداد واضطرت الاحتياطيات إلى الانتشار على اتجاهات متباعدة . فالقوة التي تدافع عن جبهة معينة تحتاج إلى المحافظة على التوازن بين القوات الأمامية والاحتياطيات وطرق الإمداد والقدرة على المناورة وأي خلل في هذا التوازن قد يمنح القوات المهاجمة فرصة لتطوير الهجوم واستثمار النجاح في الاتجاه الأكثر تأثيرا .

ولا ينبغي أن تمنح سنوات سيطرة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة هذه الجماعة حجما أكبر من حقيقتها . فهي ليست جيشا وطنيا يدافع عن دولة ولا قوة تحمل مشروعا يمنيا جامعا وإنما ذراع مسلحة سيئة السمعة للنظام الإيراني استفادت من دعمه وتسليحه وخبراته لتنفيذ مشروع تخريبي دفع اليمن وشعبه ثمنا باهظا له وامتدت مخاطره إلى المملكة العربية السعودية وأمن البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية . وطول مدة السيطرة لا يمنح ما فرضته عصابة الحوثي بقوة السلاح شرعية ولا يجعل استعادة الأرض مستحيلة . فالدولة التي تستعيد المبادأة وتوحد قيادتها وتحسن حشد قوتها وتثبت مكاسبها تستطيع تغيير ميزان الميدان تدريجيا .

وتحمل التطورات الحالية رسالة معنوية مهمة إلى أبطال القوات المسلحة اليمنية المرابطين في ميادين القتال وإلى الشعب اليمني وقبائله العربية الأصيلة التي عرفت عبر تاريخها بالشجاعة والكرامة والدفاع عن الأرض والعرض . فكل موقع يستعاد وكل محور يتقدم وكل محاولة حوثية تفشل تؤكد أن عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ليست عصية على الهزيمة وأن الأرض التي استولت عليها بقوة السلاح ليست قدرا دائما وأن ميزان الميدان يمكن تغييره متى اجتمعت وحدة القيادة وثبات الرجال وحسن التخطيط واستمرار الزخم العملياتي .

وشعب اليمن وقبائله العربية الأصيلة يملكون من عناصر القوة البشرية والمعنوية ما يجعل استعادة الدولة والأرض غاية ممكنة متى توحدت الإرادة الوطنية خلف مؤسسات الدولة الشرعية . فالمعركة ليست معركة محافظة أو قبيلة أو جبهة بعينها وإنما معركة اليمنيين لاستعادة دولتهم وإنهاء سيطرة جماعة مسلحة فرضت مشروعها بالقوة واستندت إلى دعم النظام الإيراني وسلاحه وخبراته لفرض واقع لا يمثل إرادة الشعب اليمني ولا مستقبله .

ولذلك فإن الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة القوات المسلحة اليمنية على المحافظة على الزخم العملياتي وتثبيت المكاسب وربط المحاور ومنع الميليشيا الحوثية الإرهابية من التقاط أنفاسها وإعادة تجميع قواتها واستعادة المبادأة . فاستعادة موقع ثم فقدانه لا تغير ميزان العمليات بينما يؤدي تثبيت المواقع واستمرار الضغط واستثمار النجاح إلى تراكم ميداني قد يغير ميزان القوة تدريجيا .

ويبقى النظام الإيراني حاضرا خلف هذه المعادلة باعتباره الداعم الرئيسي لهذه الجماعة المسلحة . وكلما ازدادت حاجة الحوثيين إلى تعويض خسائرهم والمحافظة على خطوط إمدادهم وقدراتهم القتالية ارتفعت تكلفة استمرار هذه الأداة التخريبية على النظام الإيراني وتراجعت قدرتها على أداء الدور الذي استخدمت من أجله في تهديد اليمن والمملكة العربية السعودية وأمن البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية .

الاستنتاجات .

1. تعدد محاور العمليات يمثل تطورا عملياتيا مهما لكنه لا يعني حتى الآن أن ميزان الحرب قد حسم لصالح القوات المسلحة اليمنية .

2. بطبيعة الحال لا تستطيع المصادر الإعلامية المفتوحة حتى الآن الجزم بالمحور الذي يحمل الجهد الرئيسي وقد يكون استمرار الغموض حوله عاملا يخدم حرية العمل والمبادأة لدى القوات الشرعية .

3. قيمة الجهود المساندة لا تقاس بمقدار تقدمها فقط بل بقدرتها على تثبيت قوات الحوثيين واستنزاف احتياطياتهم ومنع انتقالها إلى اتجاه الجهد الرئيسي .

4. محاور الجوف والبيضاء وتعز والساحل الغربي لا ينبغي النظر إليها كمعارك منفصلة؛ إذ قد يؤدي تزامن الضغط عليها إلى تثبيت قوات الحوثيين وتشتيت احتياطياتهم وتقليص حرية المناورة وإرباك قدرتهم على إعادة التجميع والحشد في اتجاه الجهد الرئيسي .

5. الاختبار الحاسم ليس عدد المواقع المستعادة وإنما القدرة على تثبيتها والمحافظة على الزخم العملياتي وحشد القوة في الاتجاه المناسب واستثمار النجاح ومنع عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة من استعادة المبادأة .

الخلاصة الاستراتيجية .

المعركة تدخل مرحلة أكثر أهمية لأن تعدد المحاور لا يصبح مؤثرا بمجرد اتساع مساحة القتال وإنما عندما تعمل هذه المحاور ضمن غرض عملياتي مترابط يثبت قوات الخصم ويشتت احتياطياته ويقيد حريته في المناورة ويهيئ الظروف لحشد القوة في اتجاه الجهد الرئيسي .

والمؤشر الأخطر على عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ليس مجرد خسارة موقع أو معسكر وإنما فقدان حرية العمل العملياتي واضطرارها إلى رد الفعل بدلا من المبادأة وتوزيع احتياطياتها على محاور متعددة بدلا من حشدها في الاتجاه الذي قد يحسم المعركة . فإذا استمر هذا النسق وثبتت القوات المسلحة اليمنية مكاسبها وحافظت على زخم عملياتها واستثمرت النجاح في الاتجاه الصحيح فقد تبدأ المعركة بالانتقال من استعادة المواقع إلى تفكيك منظومة السيطرة الحوثية تدريجيا وصولا إلى دحر هذه الذراع الإيرانية التخريبية عن الأرض التي استولت عليها بقوة السلاح .

وأمام القوات المسلحة اليمنية الشرعية اليوم فرصة لمواصلة استعادة زمام المبادأة والسير بثبات نحو تحرير الأرض ودحر عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة وإعادة اليمن إلى دولته ومؤسساته . والجندي الذي يثبت في موقعه والوحدة التي تحافظ على الأرض المستعادة والقيادة التي تحسن إدارة عملياتها والقبيلة التي تقف إلى جانب الدولة والشعب الذي يحافظ على وحدته جميعهم عناصر قوة في معركة استعادة اليمن .

واليمن ليس أرضا بلا أهل ولا تاريخا بلا رجال . وما فرضته عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة بقوة السلاح يمكن إنهاؤه بإرادة اليمنيين ووحدة صفهم خلف دولتهم وثبات قواتهم المسلحة حتى تستعاد الأرض ويعود القرار اليمني إلى مؤسساته بعيدا عن المشروع الإيراني وأدواته المسلحة .

والنصر لا تصنعه الأمنيات وإنما يأتي بعد توفيق الله بوحدة القيادة وثبات الرجال وحسن التخطيط وحشد القوة والمحافظة على الزخم واستثمار النجاح حتى يتحقق الغرض المنشود بإذن الله .

من يفرض نفسه بالسلاح قد يملك المكان زمنا لكنه لا يملك شرعيته .

قال الله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

سورة محمد / الآية الكريمة رقم ( 7 ) .

كاتب رأي

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.