من يتعاون مع عصابة الحوثيين؟

من يتعاون مع عصابة الحوثيين؟
رؤية تحليلية للكاتب من خلال المصادر الإعلامية المفتوحة .
الأربعاء الموافق ( 2 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
{ الحوثيون ليسوا أكبر من حقيقتهم؛ عصابة إرهابية مسلحة ترتبط بالنظام الإيراني واستفادت من سلاحه وخبراته ودعمه، والخطر الذي يستحق البحث ليس في تضخيم حجمها بل في معرفة من يتعاون معها ومن يمدها بما قد يزيد قدرتها على تهديد اليمن والمنطقة والملاحة الدولية . }
أعادت شهادة الباحثة اليمنية الأمريكية السيدة / ندوى الدوسري أمام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، يوم الثلاثاء الموافق ( 1 ) سبتمبر ( 2026 )م، فتح ملف يستحق التوقف عنده، ليس لمعرفة حجم الحوثيين أو منحهم مساحة أكبر مما يستحقون، وإنما لمعرفة الجهات التي تتعاون مع الجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة وما الذي يمكن أن تقدمه لها من معلومات أو تقنيات أو مكونات أو تسهيلات قد تزيد قدرتها على تهديد اليمن والمنطقة والملاحة الدولية .
أهمية شهادة الدوسري تأتي من أنها جمعت أمام مؤسسة تشريعية أمريكية عددا من الخيوط التي ظهرت أجزاء منها سابقا في تقارير وتحقيقات ومواقف أمريكية وغربية، وخصوصا ما يتعلق بروسيا والصين وبعض الجماعات الإرهابية المسلحة خارج اليمن. ومع ذلك تبقى شهادتها شهادة خبيرة أمام الكونغرس وليست حكما استخباريا أمريكيا نهائيا، وهو تمييز ضروري للمحافظة على دقة القراءة .
إيران أولا .
البحث عن الجهات التي تتعاون مع الحوثيين يبدأ بالنظام الإيراني، فالعلاقة بينهما هي الأقدم والأوضح والأكثر استمرارا. وقد أسهم الدعم الإيراني عبر سنوات في بناء جانب كبير من قدرات الميليشيا الحوثية في الصواريخ والمسيرات والأسلحة البحرية والتدريب والخبرات وشبكات التهريب، إلى جانب الدعم السياسي والإعلامي .
ولذلك فإن الحديث عن علاقات روسية أو صينية لا ينبغي أن يحجب الأصل؛ فالنظام الإيراني هو الداعم الخارجي الرئيسي للحوثيين، والجماعة إحدى أذرعه الإرهابية المسلحة في المنطقة. وما يظهر من علاقات أخرى يمكن قراءته بوصفه توسعا في دائرة الجهات التي تتعامل معها، وليس انتقالا لمركز الثقل بعيدا عن طهران .
ماذا قدمت روسيا؟
من أخطر ما ظهر في هذا الملف ما نشرته تقارير أمريكية موثوقة عن تقديم روسيا بيانات استهداف للحوثيين استخدمت في مهاجمة سفن غربية في البحر الأحمر، وأن تلك المعلومات وصلت إلى الجماعة عبر عناصر من الحرس الثوري الإيراني في اليمن .
وتكتسب هذه المعلومات أهميتها من طبيعة الحرب البحرية نفسها؛ فاستهداف سفينة متحركة يحتاج إلى اكتشاف موقعها وتتبع مسارها وتحديث بيانات حركتها قبل استخدام السلاح. ولذلك يمكن للمعلومات الاستخبارية أو الصور الفضائية أن تضيف إلى الصاروخ أو المسيرة قدرة لم تكن متاحة بالدرجة نفسها من قبل .
لكن الدقة تقتضي عدم تجاوز ما تثبته المصادر المنشورة. فلا تقدم المصادر الإعلامية المفتوحة حتى الآن دليلا قاطعا على وجود قيادة عمليات روسية تشارك الحوثيين مباشرة في اختيار السفن المستهدفة أو إصدار أوامر الهجوم. وما نشر في التقارير الأمريكية المشار إليها يتعلق بتوفير بيانات استهداف، وهو في حد ذاته أمر بالغ الخطورة إذا تأكدت تفاصيله كاملة .
وماذا عن الصين؟
المسار الصيني يأخذ شكلا مختلفا. فقد اتهمت الإدارة الأمريكية شركة صينية متخصصة في الأقمار الصناعية بتقديم صور ومعلومات ساعدت الحوثيين في استهداف المصالح الأمريكية والسفن في البحر الأحمر، وهو اتهام تجاوز نطاق التسريبات الصحفية بعدما تحدثت عنه جهات أمريكية رسمية .
وهنا أيضا يجب الفصل بين ما نسب إلى شركة صينية وبين إثبات وجود قرار من الحكومة الصينية بتوجيه عمليات الحوثيين. فما نشر حتى الآن في المصادر الإعلامية المفتوحة لا يقدم دليلا قاطعا على أن الحكومة الصينية تشارك في تحديد أهداف الجماعة أو إدارة عملياتها العسكرية .
وفي المقابل ظهرت اتصالات وتفاهمات خلال السنوات الماضية هدفت إلى تجنيب سفن روسية وصينية هجمات الحوثيين، وهو ما يكشف جانبا آخر من استغلال الميليشيا لتهديد الملاحة ومحاولة توظيفه للحصول على مكاسب أو تفاهمات مع أطراف دولية تفوقها حجما وقدرة وتأثيرا .
شبكات الإرهاب تتقاطع .
شهادة الدوسري أثارت جانبا آخر يتعلق بعلاقات الحوثيين مع جماعات إرهابية مسلحة خارج اليمن، وخصوصا حركة الشباب في الصومال وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب. كما تحدثت تقارير أمريكية حديثة عن تبادل للأسلحة والتدريب والمصالح بين الحوثيين وحركة الشباب .
ويكشف ذلك خطورة تشابك الجماعات الإرهابية المسلحة عبر شبكات تتبادل الخبرة والسلاح والمعلومات كلما التقت مصالحها، حتى مع اختلاف خلفياتها الفكرية والسياسية. وتزداد حساسية هذا التشابك عندما يمتد حول البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن؛ وهي مناطق ترتبط مباشرة بأمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي واليمن والقرن الأفريقي وحركة التجارة والطاقة الدولية .
الخاتمة .
شهادة السيدة / ندوى الدوسري تستحق الاهتمام لأنها أعادت هذا الملف إلى دائرة النقاش، ووسعت السؤال من الدعم الإيراني المعروف إلى الجهات الأخرى التي تتعامل مع الحوثيين وطبيعة ما تقدمه لهم .
النظام الإيراني يبقى الداعم الرئيسي للجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة، بينما تكشف المصادر الإعلامية المفتوحة عن مستويات أخرى من التعامل؛ من بيانات استهداف نسبت إلى روسيا، إلى معلومات فضائية مرتبطة بشركة صينية، وصولا إلى علاقات مع جماعات إرهابية مسلحة خارج اليمن .
وهذه الوقائع لا تستدعي تضخيم الحوثيين، بل تضع المسؤولية بصورة أكبر على الأطراف التي تقدم لجماعة إرهابية مسلحة معلومات أو تقنيات أو مكونات أو تسهيلات يمكن استخدامها في تهديد الدول والسفن والممرات البحرية .
فالحوثيون إحدى الجماعات الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني في المنطقة، وقدرتها على الإضرار لا تمنحها وزنا يتجاوز حقيقتها، وإنما تكشف خطورة من يسلحها أو يمدها بالمعلومات والتقنية ويوظفها لتحقيق مصالحه .
والتاريخ يعيد التذكير بمعنى قديم في الفكر السياسي: أن الشر يقوى بمن يعينه، وأن الخطر تزداد كلفته كلما ترك له المجال ليستفحل . ولذلك فإن الأهم من الزمرة الحوثية نفسها هو معرفة الأيدي التي تمدها بما لم تكن لتملكه بقدراتها الذاتية .
وهنا يعود السؤال إلى أصله:
من يتعاون مع عصابة الحوثيين ؟ .
كاتب رأي

حسبنى الله ونعم الوكيل