كُتاب الرأي

ألعاب الحرب

ألعاب الحرب

فن صناعة القادة قبل ميادين القتال

رؤية تحليلية.

الأحد الموافق (23) أغسطس 2026م.

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية.

{ قد تبدأ المعركة في قاعة مغلقة قبل سنوات من إطلاق رصاصتها الأولى لأن الجيوش التي تختبر قراراتها قبل الحرب تقلل احتمالات أن تختبر الحرب أخطاءها. }

تتغير أدوات إعداد القادة كلما تغيرت طبيعة الحروب، وما تشهده مؤسسات التعليم العسكري الاحترافي الأمريكية اليوم يدل على تحول يتجاوز تطوير وسائل التدريب إلى إعادة النظر في الطريقة التي يصنع بها القرار العسكري نفسه. فألعاب الحرب لم تعد مجرد محاكاة لمعركة محتملة أو وسيلة لاختبار خطة موضوعة مسبقا، بل تتجه لتصبح فنا يختبر القائد والعقيدة والخطة وهيكل القوة والافتراضات التي بني عليها التفكير العسكري قبل أن يختبرها العدو في ميدان القتال.

وقد حملت الندوة الأولى لألعاب الحرب والتعليم العسكري الاحترافي التي استضافتها كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي في كارلايل خلال الفترة من  ( 11 إلى 13 أغسطس 2026م ) دلالة تتجاوز المناسبة نفسها . فقد جمعت عسكريين وباحثين ومصممي ألعاب حرب من مؤسسات مختلفة، وعرضت نحو ثماني عشرة لعبة ومحاكاة، وناقشت قضية أكثر عمقا من نتيجة اللعبة وهي كيفية قياس الحكم العسكري للدارسين من خلال القرارات التي يتخذونها أمام مواقف متغيرة وخصم قادر على التفكير والمناورة.

أولا: من تدريس الحرب إلى ممارسة القرار.

يمنح التعليم العسكري التقليدي الضابط المعرفة بالتاريخ والاستراتيجية والعقيدة وفن العمليات، لكن الحرب الحقيقية تضع أمامه معلومات ناقصة ووقتا محدودا وخصما يسعى إلى الخداع والمفاجأة ويغير خططه كلما تغيرت الظروف.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لألعاب الحرب.

فالضابط يتخذ القرار ويواجه نتائجه ويراقب رد الخصم ويعيد تقدير الموقف ثم يقرر من جديد. وهكذا ينتقل التعليم من معرفة الحرب إلى ممارسة التفكير في بيئة تحاكي بعض تعقيداتها.

ويصبح الخطأ نفسه مصدرا للمعرفة، لأن كلفته داخل المحاكاة درس يمكن تحليله، بينما قد تكون كلفته في الميدان أرواحا وقدرات ومصالح وطنية.

ثانيا: الخصم الذي يفكر.

من أخطر الافتراضات في التخطيط العسكري الاعتقاد بأن الخصم سيتصرف بالطريقة التي رسمها المخطط له. وتاريخ الحروب مليء بخطط بدت متماسكة حتى واجهت عدوا اختار اتجاها لم يكن متوقعا.

تكسر ألعاب الحرب هذا الافتراض عندما تضع أمام القائد خصما يمتلك أهدافه وخياراته وقدرته على الخداع والمناورة والمبادأة.

وهنا لا يصبح الاختبار في تنفيذ الخطة فقط، بل في إدراك اللحظة التي تبدأ فيها بفقدان صلاحيتها والانتقال إلى البديل المناسب قبل أن يفرض الخصم قراره.

وهذه إحدى أهم خصائص الحكم العسكري.

ثالثا: اختبار العقيدة والخطة وهيكل القوة.

لا تتوقف القيمة الاستراتيجية لألعاب الحرب عند تقييم القادة، فاللعبة الجيدة تستطيع كشف خلل في العقيدة أو مفهوم العمليات أو توزيع القوات أو القيادة والسيطرة أو الاستخبارات والاستطلاع أو الدعم اللوجستي.

وقد تكشف أن قدرة عسكرية مرتفعة الكلفة لا تحقق الأثر المتوقع، أو أن تشكيل قوة يحتاج إلى إعادة بناء، أو أن افتراضا قامت عليه خطة عملياتية لم يعد صالحا أمام تغير قدرات الخصم.

وهنا تنتقل ألعاب الحرب من قاعات التعليم إلى مستوى بناء القوة والتخطيط الدفاعي.

فالجيش لا يختبر كيف سيقاتل فقط بل يختبر أيضا ما إذا كان قد بنى القوة المناسبة للقتال الذي يتوقعه.

رابعا: من نتيجة اللعبة إلى تحليل القرار.

يتجه الاهتمام في التجارب الأمريكية الحديثة من السؤال: من انتصر؟ إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا اتخذ القائد هذا القرار؟

ما المعلومات التي اعتمد عليها؟ وما البدائل التي استبعدها؟ ومتى أدرك تغير الموقف؟ وكيف تفاعل مع قرارات الخصم؟

وتسمح إعادة السيناريوهات وفق قواعد وهياكل قرار محددة بمقارنة النتائج وتحليل قرارات المشاركين، وبذلك تصبح المحاكاة بيئة منظمة لدراسة عملية صنع القرار واكتشاف أنماط النجاح والفشل.

فالقيمة ليست دائما في معرفة المنتصر، بل في معرفة كيف فكر الطرفان ولماذا انتهت قراراتهما إلى تلك النتائج.

خامسا: معركة متعددة المجالات.

تزداد أهمية ألعاب الحرب لأن ميدان القتال الحديث لم يعد برا أو بحرا أو جوا منفردا. فالعمليات أصبحت مرتبطة بالفضاء والفضاء السيبراني والاتصالات والاستخبارات والاستطلاع والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية وشبكات القيادة والسيطرة والإمداد اللوجستي.

ولهذا لم يعد اختبار القائد مقتصرا على معرفة قدرات قواته، بل أصبح في قدرته على دمج قدرات متعددة وتحقيق أثر مشترك في الوقت والمكان المناسبين.

وتستخدم تجارب أمريكية حديثة ألعاب الحرب لاختبار تشكيلات القوة والعمليات المشتركة والأنظمة غير المأهولة والتفاعل مع الحلفاء والشركاء، ثم تعيد السيناريو لمعرفة أين تنجح المنظومة وأين تتعثر.

وهكذا لا تختبر لعبة الحرب معركة واحدة بل تختبر منظومة القتال بكاملها.

سادسا: الذكاء الاصطناعي يدخل المختبر العسكري.

دخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، وتدرس المؤسسات العسكرية الأمريكية استخدامه في معالجة المعلومات وتسريع التحليل وبناء السيناريوهات ومقارنة مسارات العمل وتقييم نتائج المحاكاة.

وقد ظهرت بالفعل أدوات عسكرية تجريبية تستخدمه لتعزيز ألعاب الحرب وتحليل الخيارات العملياتية بصورة أسرع وأكثر قابلية للتكرار.

لكن هذا التطور لا يعني انتقال القرار من الإنسان إلى الآلة.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة حجم هائل من البيانات وتقديم البدائل بسرعة، لكن الحرب تظل مجالا للإرادة والخداع والثقافة والمعنويات والمسؤولية والنية البشرية.

ولذلك قد تكون إحدى مهارات قائد المستقبل معرفة متى يستفيد من توصية الآلة ومتى يشك فيها.

سابعا: الخطأ قبل ميدان القتال.

يستطيع القائد أن يخطئ داخل المحاكاة ثم يعود ليعرف أين أخطأ ويعيد السيناريو ويتخذ قرارا مختلفا. أما ميدان القتال فقد لا يمنحه فرصة ثانية.

ومن هنا فإن المؤسسة العسكرية التي تسمح لقادتها باكتشاف أخطائهم والتعلم منها في بيئة تدريبية صارمة تمنحهم فرصة لمعرفة حدود قراراتهم قبل أن يكشفها الخصم.

فالخطأ الذي يكشف داخل لعبة حرب قد يمنع خطأ عملياتيا أكبر، والافتراض الذي يسقط داخل المحاكاة قد يحمي خطة كاملة من السقوط في الميدان.

ثامنا: صناعة القائد قبل صناعة الخطة.

تكشف الاتجاهات الحالية أن الاستثمار في مستقبل الحرب لم يعد مقتصرا على السلاح والتقنية والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى العقل الذي سيستخدم هذه القدرات.

فالجيوش تستطيع امتلاك أحدث المنظومات وبناء شبكات متقدمة للقيادة والسيطرة والاستطلاع، لكنها لا تستطيع ضمان التفوق إذا كان القائد عاجزا عن اتخاذ القرار عندما تنقطع المعلومات أو يفاجئه الخصم أو تتغير المهمة أو تسقط الافتراضات التي بنيت عليها الخطة.

ولهذا فإن أفضل لعبة حرب ليست التي تتنبأ بالحرب القادمة بدقة، بل التي تعد القائد لحرب لا تسير بالطريقة التي توقعها .

الخلاصة الاستراتيجية.

تدل مجمل المؤشرات الحالية على أن ألعاب الحرب تتجه لتصبح أحد مختبرات القوة العسكرية الحديثة، لأنها تجمع القائد والعقيدة والخطة وهيكل القوة والقيادة والسيطرة والاستخبارات واللوجستيات والتقنيات الحديثة في بيئة واحدة ثم تضعها أمام خصم يفكر ويتكيف.

فالتفوق العسكري في المستقبل لن تحدده الدولة التي تمتلك السلاح الأكثر تطورا وحدها، بل الدولة التي تستطيع بناء منظومة تفكر أسرع وتتعلم أسرع وتكتشف أخطاءها قبل خصمها، وتعد قائدا يفهم المتغير ويتخذ القرار المناسب ويتكيف عندما يفعل العدو ما لم يكن متوقعا.

الحرب الحقيقية لا تمنح القائد فرصة لإعادة اللعبة، لكن ألعاب الحرب تستطيع أن تمنحه فرصة ألا يكرر الخطأ عندما تبدأ الحرب الحقيقية .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.