كُتاب الرأي

*لماذا يظل خطر الحرب مرتفعا؟*

*لماذا يظل خطر الحرب مرتفعا؟*

*رؤية تحليلية للكاتب.*

*الثلاثاء الموافق (4) أغسطس 2026م.*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.

*منهجية القراءة.*

تعتمد هذه القراءة على تحليل الوقائع والدلائل والمؤشرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية بمصادر الإعلام ( المفتوحة ) حتى تاريخ إعدادها واستشراف اتجاهاتها المحتملة في ضوء المعطيات المعلنة المتاحة دون الجزم بمسار أي قرار سياسي أو عسكري مستقبلي إذ يبقى القرار السياسي والمتغيرات الميدانية العاملين الحاسمين في تحديد اتجاه الأحداث.

{التقدير العام للموقف}.

هل تقف المنطقة على أعتاب حرب جديدة أم أنها تقترب من تسوية سياسية؟

ذلك هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على صناع القرار ومراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية وأسواق الطاقة والملاحة الدولية. غير أن القراءة المتأنية للوقائع والدلائل والمؤشرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية المعلنة تقود إلى استنتاج أكثر دقة وهو أن المنطقة لا تقف عند نهاية الأزمة بل عند مفترق طرق بالغ الحساسية تتجاور فيه فرص السلام مع احتمالات التصعيد وتتداخل فيه الدبلوماسية مع الردع العسكري وتتزاحم فيه الحسابات السياسية مع الوقائع الميدانية.

ومن المؤسف أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأزمة الأمريكية الإيرانية قد انتهت بل أصبح إلى أي مدى تستطيع الجهود الدبلوماسية أن تمنع عودة العمليات العسكرية. فالتطورات المتلاحقة خلال الأيام الأخيرة تؤكد أن جميع الخيارات ما زالت مطروحة وأن المنطقة دخلت مرحلة دقيقة قد تشهد احتواء تدريجيا كما قد تشهد تصعيدا سريعا إذا أخفقت الجهود الدبلوماسية التي تقودها المملكة العربية السعودية وشركاؤها الإقليميون والدوليون في احتواء الأزمة نتيجة استمرار الخلافات الجوهرية وتعنت {النظام الإيراني} ومواصلته سياساته العدوانية الهجومية ودعمه للتنظيمات الإرهابية المسلحة وتهديده المتكرر لأمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب ومصالح الطاقة والتجارة الدولية أو وقع خطأ في الحسابات أو أسيء تقدير نيات الطرف الآخر.

وتدل مجمل الدلائل والمؤشرات الحالية على أن الأزمة تجاوزت مرحلة تبادل الرسائل السياسية إلى مرحلة يمكن توصيفها بأنها {ردع متبادل وتفاوض تحت الضغط العسكري}. ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى توظيف تفوقها العسكري والاقتصادي والسياسي لزيادة الضغوط على {النظام الإيراني} ودفعه إلى القبول بشروط أكثر صرامة يواصل {النظام الإيراني} توظيف ما يملكه من أوراق ضغط سياسية وبحرية وإقليمية سعيا إلى تحسين شروطه التفاوضية والمحافظة على نفوذه الإقليمي.

وفي المقابل تتواصل الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة قد تمتد آثارها إلى أمن الطاقة والتجارة الدولية والاقتصاد العالمي. إلا أن استمرار اتساع فجوة الثقة بين الطرفين وارتفاع سقف المطالب السياسية واستمرار الجاهزية العسكرية يجعل احتمالات التصعيد قائمة ويجعل أي حادث ميداني أو خطأ في التقدير قادرا على تغيير مسار الأزمة خلال فترة وجيزة.

وانطلاقا من هذا التقدير العام تبرز مجموعة من العوامل السياسية والعسكرية والاستراتيجية التي تفسر لماذا يظل خطر الحرب مرتفعا رغم استمرار الحديث عن المفاوضات والوساطات الإقليمية.

1. {أزمة الثقة بين واشنطن و{النظام الإيراني}}.

يكشف التناقض بين التصريحات الأمريكية والإيرانية أن أزمة الثقة بلغت مرحلة أصبحت فيها التصريحات العلنية نفسها جزءا من أدوات إدارة الصراع وليست مجرد انعكاس لما يجري خلف الكواليس. ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن استمرار الاتصالات تصر طهران على نفي وجود أي مفاوضات مباشرة معها. وهذا التناقض يجعل كل طرف يشك في نيات الطرف الآخر ويضعف فرص الوصول إلى تفاهم مستقر.

2. {الخداع السياسي الإيراني}.

يعد الخداع السياسي أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة ويقصد به استخدام المفاوضات والرسائل السياسية والإعلامية لكسب الوقت وتحسين شروط التفاوض مع المحافظة على أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط العسكرية والسياسية. وقد اتبع {النظام الإيراني} هذا النهج في محطات متعددة منذ عام 1979م عبر إطالة مسارات التفاوض وتجزئة الملفات والانتقال بين التصعيد والتهدئة وفقا لمقتضيات مصلحته السياسية.

وقد أسهم هذا النهج في تراكم فجوة الثقة مع القوى الدولية حتى أصبح كثير من المراقبين ينظرون إلى التصريحات الإيرانية بوصفها جزءا من إدارة التفاوض أكثر من كونها تعبيرا عن موقف سياسي نهائي. وقد انعكس ذلك في التصعيد الأخير للرئيس الأمريكي الذي اتهم طهران بممارسة الخداع السياسي ورفع سقف مطالبه إلى {الاتفاق أو الاستسلام الكامل}.

3. {سياسة الضغط الأمريكية… الاتفاق أو الاستسلام الكامل}.

يعكس هذا التحول انتقال واشنطن من إدارة الأزمة إلى ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري. كما أن رفع سقف المطالب بهذا المستوى يجعل أي تراجع أمريكي أكثر كلفة سياسيا ويجعل أي تنازل إيراني أكثر حساسية أمام الداخل الإيراني وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سريعة. كما يكشف أن الأزمة لم تعد تقتصر على الخلاف حول البرنامج النووي أو أمن الملاحة بل أصبحت مرتبطة أيضا بإعادة صياغة قواعد الردع والتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط .

4. {مضيق هرمز… نقطة الارتكاز الاستراتيجية}.

أصبح مضيق هرمز مركز الثقل في الأزمة الحالية لأنه يمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي ويمر عبره جزء مهم من صادرات النفط والغاز العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب في أمن الملاحة أو أي حادث ميداني في هذا الممر البحري قد يتحول خلال فترة وجيزة إلى أزمة دولية تتجاوز حدود الخليج العربي وتمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي. ومن هنا تنظر الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى إلى أمن المضيق باعتباره جزءا من الأمن الاقتصادي العالمي بينما يحاول {النظام الإيراني} الاحتفاظ به كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة خصومه.

5. {استمرار الجاهزية العسكرية واحتمالات التصعيد}.

تعليق أي عملية عسكرية أو تأجيلها لا يعني إلغاءها بصورة نهائية بل يعني أن القرار السياسي منح الدبلوماسية فرصة إضافية. أما القدرات العسكرية الأمريكية والإيرانية فما زالت في أعلى درجات الجاهزية والانتشار وهو ما يجعل الانتقال من مرحلة التفاوض إلى العمليات العسكرية رهنا بقرار سياسي أو بوقوع حادث ميداني كبير أو بسوء تقدير متبادل بين الأطراف. وتؤكد الخبرة العسكرية أن أخطر مراحل الأزمات هي تلك التي تتزامن فيها المفاوضات مع استمرار الحشود العسكرية لأن هامش الخطأ فيها يكون أكبر من أي وقت آخر.

6. {التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة بالنظام الإيراني}.

يمثل استمرار نشاط التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة بـ {النظام الإيراني} أحد أهم عوامل تعقيد الأزمة. فهذه التنظيمات تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات ضد الملاحة البحرية أو منشآت الطاقة أو القواعد العسكرية في أكثر من ساحة إقليمية. كما أن أي هجوم قد تنفذه بصورة مباشرة أو غير مباشرة قد يؤدي إلى ردود عسكرية متبادلة تتجاوز قدرة الوسطاء على احتواء الموقف وتفتح الباب أمام مواجهة أوسع يصعب التحكم في مسارها. وقد أثبتت تجارب عديدة أن حوادث محدودة كانت كافية في بعض الأزمات الدولية لإشعال صراعات واسعة.

7. {اتساع مسارح العمليات العسكرية}.

لم تعد الأزمة مقتصرة على إيران أو مضيق هرمز بل امتدت آثارها إلى الخليج العربي وباب المندب والعراق واليمن والبحر الأحمر. وكلما اتسعت مسارح العمليات وازداد عدد الأطراف المنخرطة في الأزمة ارتفع احتمال وقوع أخطاء في الحسابات السياسية أو العسكرية. كما تزداد صعوبة السيطرة على مسار الأحداث عندما تتعدد مراكز القرار وتتداخل المصالح الإقليمية والدولية في مساحة جغرافية واسعة بهذا الحجم.

8. {الجهود السعودية والخليجية لاحتواء التصعيد}.

تواصل المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي انتهاج سياسة تقوم على دعم الحلول السياسية واحتواء التصعيد والحفاظ على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة انطلاقا من مسؤوليتها الإقليمية والدولية. كما تدعم كل جهد دبلوماسي مسؤول يهدف إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة مع التمسك الكامل بحق الدول في الدفاع عن أمنها الوطني وحماية مصالحها الحيوية وفقا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ويعكس هذا النهج إدراكا عميقا بأن استقرار المنطقة لا يتحقق بالتصعيد المستمر وإنما ببناء الثقة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وضمان حرية الملاحة الدولية وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة. ولذلك تكتسب المبادرات الدبلوماسية التي تقودها المملكة العربية السعودية أهمية استثنائية في هذه المرحلة الدقيقة لما تمثله من ركيزة أساسية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

*{التقدير الاستراتيجي} .*

*في ضوء الوقائع والدلائل والمؤشرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية المعلنة حتى تاريخ إعداد هذه القراءة فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في استمرار {الردع المتبادل والتفاوض تحت الضغط العسكري} خلال المرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة تواصل توظيف أدوات الضغط لتحقيق أكبر قدر من المكاسب التفاوضية دون الانزلاق إلى حرب شاملة ما لم تفرضها التطورات الميدانية. وفي المقابل يسعى النظام الإيراني إلى المحافظة على – ما يراه – من أوراق قوته الإقليمية وتحسين شروطه التفاوضية مع تجنب مواجهة واسعة ترتفع كلفتها على جميع الأطراف.*
*غير أن استمرار هذا السيناريو يبقى مرهونا بنجاح الجهود الدبلوماسية في تضييق فجوة الثقة ومنع وقوع أي حادث ميداني أو خطأ في التقدير قد يدفع الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة.*

*الخاتمة .*

*تدل مجمل المؤشرات الحالية على أن خطر الحرب لا يزال مرتفعا لأن الأسباب الجوهرية للصراع لم تعالج بعد ولأن فجوة الثقة بين واشنطن و النظام الإيراني ما زالت واسعة* . *كما أن استمرار الضغوط العسكرية وارتفاع سقف المطالب السياسية يجعل المرحلة المقبلة من أكثر مراحل الأزمة حساسية.*
*ولعل من أصدق ما انتهت إليه الخبرة الإنسانية عبر التاريخ أن السلام ليس علامة ضعف كما أن الحرب ليست دليلا على القوة . فالمسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع على من يضيع فرص السلام حين تكون ممكنة ويستبدل الحوار بالمراوغة والخداع السياسي وإطالة الأزمات والتخريب . وعندما تتحول المفاوضات إلى وسيلة لكسب الوقت بدلا من إنهاء النزاعات فإنها تصبح عاملا يزيد احتمالات الحرب بدلا من تقليصها.*
*وتبقى القاعدة الاستراتيجية الراسخة أن الدول العظيمة لا تقاس بقدرتها على كسب الحروب فحسب وإنما بحكمتها في منعها عندما يكون السلام العادل ممكنا وبحزمها في الدفاع عن أوطانها ومصالحها العليا عندما تصبح المواجهة ضرورة لا مفر منها . وعندها يكتب التاريخ أسماء صناع الاستقرار والسلام كما يذكر صناع الأزمات والتخريب .*
*ويبقى السلام العادل أعظم انتصار استراتيجي حين يكون ممكنا وتبقى القوة المشروعة آخر الخيارات حين يصبح الدفاع عن الأوطان والمصالح العليا ضرورة لا مفر منها .*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.