كُتاب الرأي

لماذا يعتدون ؟

 

لماذا يعتدون ؟ 

رؤية تحليلية .

الأحد الموافق ( 20 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( الوطن الذي تحرسه قيادة واعية، وتحميه قوات باسلة، ويلتف حوله شعب وفي؛ لا ترهبه التهديدات، ولا تكسر إرادته محاولات المعتدين )

لماذا يعتدون؟

لماذا توجه العصابة الحوثية الإرهابية المسلحة صواريخها ومسيّراتها نحو المملكة، وتحاول استهداف الرياض والطائف وينبع وبيش وفرسان، وتمتد اعتداءاتها إلى محاولة استهداف مكة، حيث بيت الله الحرام، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم؟

إن الهجوم الحوثي الغاشم والآثم على مدن المملكة وأرضها ومقدساتها لا يمكن اختزاله في الصواريخ والمسيّرات وحدها؛ فهو اعتداء يستدعي قراءة أهدافه ورسائله، والجهات والمصالح التي تقف وراء استمرار هذا التصعيد.

أي رسالة يريد المعتدي إيصالها عندما يجعل مكة وبيت الله الحرام في دائرة تهديده؟

هنا تتجاوز المسألة حدود المواجهة العسكرية وحسابات الجغرافيا؛ فمكة ليست مدينة سعودية فحسب، بل مهوى أفئدة المسلمين، وفيها بيت الله الحرام الذي تتجه إليه وجوههم في مشارق الأرض ومغاربها.

وحين يمتد التهديد إلى مكة وبيت الله الحرام، فإن الأمر يتجاوز حدود السيادة الوطنية؛ لأن المملكة تحمل شرف حماية قبلة المسلمين ومقدساتهم، ويصبح الدفاع عنها أمانة وطنية وإسلامية في آن واحد، تتشرف قيادة المملكة بحملها، وتسهر قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية على الوفاء بها.

وفي القراءة العسكرية، لا تستخدم الصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات لتحقيق التدمير المادي وحده؛ فقد تستخدم أداة للضغط، ورسالة سياسية ونفسية، ومحاولة لنقل تأثير الحرب من جبهاتها إلى عمق الدولة المستهدفة والتأثير في حساباتها وإرادتها وقرارها.

لكن لماذا المملكة؟ ومن يقف خلف هذا التصعيد؟

لا يمكن قراءة هذه الاعتداءات بمعزل عن البعد الإيراني؛ فقد نقلت وكالة رويترز، استنادا إلى مصادر إيرانية ويمنية وإقليمية، معلومات عن إسناد وتوجيه قدمه الحرس الثوري الإيراني للحوثيين، كما نقلت عن مصدرين إيرانيين أن طهران طلبت منهم تصعيد هجماتهم على المملكة، مع وعود بمزيد من التمويل والسلاح والدعم العسكري.

وفي المقابل، تنكر طهران مسؤوليتها عن توجيه العمليات العسكرية الحوثية مباشرة، رغم ما أوردته تلك المصادر من معلومات عن حجم الإسناد والتوجيه الإيراني.

وحين يكون المسجد الحرام في دائرة التهديد، يحضر قول الله عز وجل في كتابه الكريم:

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴾

سورة الحج / الآية الكريمة رقم ( 25 ) .

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل تخدم هذه الصواريخ اليمن، أم تحول اليمن إلى منصة متقدمة في صراع إقليمي أكبر، يدفع شعبه ثمنه وتمتد مخاطره إلى المملكة والبحر الأحمر ومقدسات المسلمين؟

وحين توجه الفئة الحوثية الباغية سلاحها نحو المملكة، فإنها تواجه دولة راسخة تملك قرارها، وتحمي شعبها، وتحرس مقدسات المسلمين، وتذود عن أمنها قوات مسلحة باسلة تعرف واجبها وتؤديه باقتدار.

وهنا تتحدث الوقائع قبل الكلمات.

لقد أعلنت الجهات السعودية المختصة اعتراض وتدمير تهديدات صاروخية وجوية استهدفت المملكة، في مشهد تتجلى فيه قيمة (الإنذار المبكر) و(القيادة والسيطرة) و(الدفاع الجوي) والجاهزية المستمرة.

وهؤلاء الرجال الذين يقفون خلف منظومات الدفاع ليسوا أرقاما في بيانات عسكرية.

إنهم بعد الله درع الوطن.

يقفون بعد توفيق الله سدا منيعا أمام الصواريخ والمسيّرات، ويحرسون أهلنا ومدننا ومقدساتنا بيقظة واقتدار. يعملون بصمت وانضباط، ويحملون أمانة الدفاع عن وطن يعرفون قدره، وقيادة يقدرون عظم مسؤوليتها، وراية يعرفون معنى أن تبقى عالية.

وقد يكون من غايات اعتداءات الميليشيا الحوثية المسلحة توسيع مساحة التهديد، وصناعة أثر نفسي وإعلامي يتجاوز الأثر العسكري الفعلي، أو محاولة الضغط على القرار السعودي. وهذه احتمالات تحليلية ينبغي وزنها بالوقائع، لا التعامل معها باعتبارها نوايا مثبتة دون دليل.

لكن هناك حقيقة استراتيجية أكثر رسوخا:

السلاح قد يصنع تهديدا، لكنه لا يكسر إرادة دولة راسخة، ولا ينتزع منها قرارها وسيادتها.

وإرادة المملكة ليست وليدة أزمة عابرة؛ إنها إرادة دولة قامت على وحدة راسخة، ورسخت مؤسساتها، وحملت قيادتها مسؤولية الوطن، وعرف شعبها معنى الانتماء، وجعلت قواتها المسلحة حماية الأرض والمقدسات والسيادة واجبا لا مساومة عليه.

والمملكة حين تدافع عن أرضها لا تعادي اليمن ولا شعبه الشقيق؛ فالخصومة مع من يحمل السلاح ويوجهه إلى المدن والأعيان المدنية، لا مع شعب اليمن الذي دفع هو الآخر ثمنا باهظا لهذه الحرب.

ولعل هنا بعض الجواب عن سؤالنا: لماذا يعتدون؟

لأن المعتدي يراهن على أثر سلاحه؛ بينما المملكة، بعد توكلها على الله، تعرف قدر قوتها، وتثق بقيادتها، وتعتز بقواتها المسلحة، ويقف شعبها صفا واحدا خلف وطنه وسيادته ومقدساته.

هذه المملكة العربية السعودية؛ أرض الحرمين الشريفين ومهبط الوحي، وفيها مكة وبيت الله الحرام، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وطننا وعزنا ورايتنا. خلف قيادتها نقف، وبقواتها المسلحة الباسلة نفخر، وعلى سيادتها وأمنها ومقدساتها لا نساوم.

وستبقى المملكة بإذن الله عزيزة شامخة؛ قيادة وشعبا وقوات مسلحة.

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.