*كيف قد يكون إسكات المعتدين من العراق؟*

*كيف قد يكون إسكات المعتدين من العراق؟*
*رؤية تحليلية .*
*السبت الموافق ( 12 ) سبتمبر ( 2026 )م .*
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
*{ قوة الدولة لا تقاس بسرعة ردها وحدها بل بقدرتها على اختيار القرار الذي يحمي أمنها ويمنع خصومها من فرض توقيتهم عليها فهدوء الواثق قد يكون في بعض المواقف أبلغ من استعجال الرد . }*
تكشف الاعتداءات التي انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت خط أنابيب شرق – غرب أن المملكة العربية السعودية تواجه تحديا أمنيا يتجاوز الاعتداء على منشأة حيوية إلى محاولة جماعات مسلحة استخدام أراضي دولة عربية شقيقة منطلقا لاستهداف أمن المملكة ومواطنيها ومقدراتها الوطنية .
وقد جاء الموقف السعودي الرسمي واضحا ومتزنا . أدانت وزارة الخارجية بأشد العبارات استهداف خط أنابيب شرق – غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة بعدة مسيرات قادمة من العراق وما نتج عنها من إصابات بشرية وبعض الأضرار . وبناء على طلب رئيس الوزراء العراقي آثرت المملكة عدم الرد في هذه المرحلة وأتاحت للحكومة العراقية فرصة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع الاعتداءات المنطلقة من أراضيها تجاه المملكة ودول الجوار .
وهذا الموقف يعكس نهجا سعوديا راسخا عرفته المملكة عبر تاريخها في التعامل مع الأزمات؛ هدوء في القرار ورجاحة في تقدير الموقف وتغليب للعقل والمصلحة الوطنية وعدم الاندفاع خلف ردود الأفعال . فالدولة الواثقة من قدراتها لا تسمح للمعتدي بأن يختار لها توقيت قرارها أو يدفعها إلى مواجهة وفق حساباته وإنما تزن المصالح والنتائج ثم تتخذ ما يحفظ أمنها وسيادتها ومقدراتها .
ومن هنا فإن الامتناع عن الرد في هذه المرحلة لا يعني التنازل عن الحق في حماية المملكة وإنما يعكس ثقة القيادة السعودية في إدارة الموقف وإعطاء السياسة فرصتها مع الاحتفاظ الكامل بحق المملكة في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها وسيادتها إذا استمر التهديد أو تكرر .
وقد حدد البيان السعودي المعادلة بوضوح عندما أكد احتفاظ المملكة بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين فيها .
ومن هنا يأتي السؤال؛ كيف قد يكون إسكات المعتدين من العراق؟
البداية من العراق نفسه . فالمملكة لا تتعامل مع العراق باعتباره خصما ولا تحمل الشعب العراقي الشقيق مسؤولية أفعال جماعات مسلحة وإنما تطالب الدولة العراقية بتحمل مسؤوليتها السيادية ومنع استخدام أراضيها منطلقا للاعتداء على المملكة .
وقد سارعت الحكومة العراقية إلى إدانة الاعتداءات وفتحت تحقيقا عاجلا وأعلنت اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين كما اتخذت إجراءات بعد ثبوت انطلاق الاعتداءات من داخل أراضيها . وهي خطوات مهمة لكن قيمتها الحقيقية ستقاس بقدرتها على منع تكرار الاعتداء وإعادة القرار العسكري كاملا إلى مؤسسات الدولة .
فالردع لا يعني بالضرورة البدء باستخدام القوة . الردع يتحقق عندما يفقد المعتدي قدرته على تكرار الهجوم ويدرك أن العدوان ستكون له كلفة وأن استخدام الأراضي العراقية لاستهداف المملكة لن يتحول إلى أمر واقع يمكن تكراره كلما أرادت جماعة مسلحة مرتبطة بالخارج ذلك .
ويتحقق جانب آخر من الردع برفع حماية المنشآت الحيوية وتعزيز المراقبة والاستطلاع والإنذار المبكر ومتابعة مصادر التهديد ومساراته وحرمان الجماعات المعتدية من عنصر المباغتة . وتتضافر مع ذلك الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية التي تضيق قدرتها على التمويل والحركة وتدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة العراقية .
وتزداد خطورة الاعتداء الأخير لأنه استهدف خط أنابيب شرق – غرب الذي يمثل أحد أهم شرايين منظومة الطاقة السعودية وينقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر . وقد أعلنت وزارة الطاقة إيقاف الخط احترازيا بعد تعرضه لعدة عمليات استهداف مع مباشرة الفرق المختصة أعمالها وفق خطط الطوارئ المعتمدة .
ولا يمكن قراءة توقيت هذا الاعتداء بعيدا عن البيئة الإقليمية المحيطة بالمملكة والتهديدات المتزامنة لمنشآت الطاقة والممرات البحرية في وقت وصلت فيه عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة إلى مناطق شديدة الحساسية بالقرب من باب المندب بينما تستمر جماعات مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني داخل العراق في تشكيل مصدر تهديد لأمن المنطقة .
ومع ذلك فإن المملكة لا تدير أمنها بمنطق القلق ولا تتعامل مع الأحداث بردود أفعال متعجلة . خلف القرار السعودي قيادة تعرف حجم الدولة ومكانتها وقدراتها وتدرك أن حماية الوطن تقتضي هدوء الحساب بقدر ما تقتضي الجاهزية والحزم .
ومن المهم الفصل بين العراق وبين المعتدين من أراضيه . العراق دولة عربية شقيقة ومصلحة المملكة أن يكون آمنا مستقرا قويا قادرا على فرض سلطة الدولة على كامل أراضيه . ومصلحة العراق ألا تمتلك أي جماعة مسلحة مرتبطة بالخارج سواء أكان عناصرها عراقيين أم من جنسيات أخرى حق استخدام أراضيه لإشعال مواجهة مع المملكة أو غيرها من دول الجوار .
ولهذا فإن الفرصة التي منحتها المملكة للحكومة العراقية هي فرصة للدولة العراقية كي تثبت قدرتها على فرض سيادتها ومنع الجماعات المسلحة من جر العراق إلى صراعات لا تخدم شعبه ولا مصالحه الوطنية . أما إذا استمرت الاعتداءات أو تكررت فإن الأمر سيضع بغداد أمام مسؤولية أكبر؛ لأن الإدانة بعد وقوع الهجوم لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن منع وقوعه .
*الخلاصة الاستراتيجية .*
إسكات المعتدين من العراق يبدأ من داخل العراق نفسه؛ بمنع استخدام أراضيه للاعتداء على المملكة وحصر السلاح والقرار العسكري بيد الدولة ومحاسبة المسؤولين وضمان عدم تكرار العدوان .
وقد منحت المملكة الحكومة العراقية فرصة للقيام بمسؤوليتها وآثرت عدم الرد في هذه المرحلة . وهذا ينسجم مع سياسة سعودية تاريخية هادئة لا تستعجل المواجهة وتغلب العقل ورجاحة التقدير وتضع المصلحة الوطنية فوق الانفعال وردود الأفعال .
وتستند الثقة بقيادة المملكة إلى تاريخ طويل من إدارة الأزمات بصبر واتزان ومعرفة بمتى تمنح الدبلوماسية مساحتها ومتى تتقدم حماية الأمن والسيادة والمقدرات على ما سواها مع احتفاظ المملكة بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين فيها .
*فالهدوء السعودي ليس ترددا والتهدئة ليست ضعفا ورجاحة العقل لا تنتقص من قوة الردع؛ إنها سياسة دولة تعرف ماذا تريد وتثق بقدراتها وتمنح السلام فرصته دون أن تجعل أمنها وسيادتها ومقدراتها موضع مساومة .*

