كُتاب الرأي

اتفاق مكة للدفاع المشترك

 

اتفاق مكة للدفاع المشترك

يردع الحوثة ومن وراءهم

رؤية تحليلية

الخميس الموافق (10) سبتمبر (2026)م

كتبه: اللواء البحري الركن المتقاعد عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية

(الردع الحقيقي لا يبدأ بعد وقوع العدوان، وإنما عندما يدرك من يفكر فيه أن الاعتداء على دولة واحدة قد يفتح أمامه قوة أكبر من حساباته، وقدرة أوسع من احتماله.)

يدخل اتفاق مكة للدفاع المشترك مرحلة اختبار سياسي وأمني مبكر، في توقيت بالغ الحساسية، بعد الاعتداءات الأخيرة التي شنتها عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة على مدن المملكة العربية السعودية، وما رافقها من استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع اتساع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات المسلحة اليمنية لاستعادة الأرض ومؤسسات الدولة.

وتكمن أهمية اتفاق مكة في أن قيمته لا تُقاس فقط بما يتضمنه من التزامات دفاعية، وإنما بما يضيفه إلى حسابات الردع قبل استخدام القوة. فالمعادلة التي تقضي بأن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع، توسع أمام المعتدي مساحة الحساب من مواجهة دولة منفردة إلى ثلاث دول تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا وجغرافيًا واستراتيجيًا يصعب تجاهله.

وقد انتقل الاتفاق إلى مرحلة أكثر مؤسسية بعد اجتماع وزراء الخارجية والدفاع، وقادة قوات الدفاع، ورؤساء هيئات الأركان العامة للدول الثلاث، واتفاقهم على خطوات لتعزيز التضامن وفعالية الردع والدفاع الجماعيين، وإنشاء أمانة في المملكة العربية السعودية لدعم أعمال الدول الثلاث. وهذا يمنح الاتفاق بُعدًا تنفيذيًا يتجاوز إعلان المبادئ إلى بناء آليات مستمرة للتنسيق والتعاون الدفاعي.

ولا تعني هذه المعادلة أن كل اعتداء يؤدي آليًا إلى حرب مشتركة، أو أن الاتفاق يلغي القرار السيادي لكل دولة في تحديد استجابتها، وإنما تعني أن تكلفة العدوان لم تعد تُقاس بالهدف الذي يتعرض له وحده، وإنما بما قد يترتب عليه من مستويات أوسع من التعاون والتنسيق والدعم والردع.

ومن هنا يصبح العدوان الحوثي الأخير على المملكة أكثر من مجرد هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

فاستهداف أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وإصابة المدنيين، واستهداف الأعيان المدنية والاقتصادية ومنشآت ومرافق قطاع الطاقة، يضع سلوك الجماعة أمام بيئة استراتيجية مختلفة. والمملكة التي اختارت دعم السلام وخفض التصعيد أكدت، في الوقت نفسه، حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها، وصون مقدراتها الوطنية، وحماية المواطنين والمقيمين، وأنها لن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها.

وقد اكتسبت معادلة الردع بعد الاعتداءات الحوثية الأخيرة دلالة أكثر وضوحًا، عندما أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن العدوان على دولة واحدة يُعد عدوانًا على الدول الثلاث، وأن امتداد العدوان إلى الأراضي السعودية يجعل اتفاق مكة للدفاع المشترك نافذًا عمليًا. وهذه دلالة مهمة؛ لأنها تنقل الاتفاق من إطار الردع النظري إلى موقف دفاعي معلن من إحدى الدول الثلاث الموقعة عليه.

ولا يحتاج الموقف السعودي إلى استباق طبيعة الإجراءات التي قد تُتخذ. فالمملكة حددت حقها القانوني والسيادي بوضوح، وأكدت قيادة القوات المشتركة للتحالف اتخاذ الإجراءات العملياتية اللازمة لردع الميليشيا، وتحييد مصادر التهديد، والتصدي لنهجها العدائي.

ويضيف اتفاق مكة إلى هذه المعادلة عمقًا استراتيجيًا جديدًا؛ فالمملكة العربية السعودية تمثل ثقلًا عربيًا وإسلاميًا واقتصاديًا وعسكريًا رئيسيًا، وباكستان تمتلك قوة عسكرية كبيرة وقدرات ردع استراتيجية، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعات دفاعية متقدمة وخبرات عملياتية واسعة. واجتماع هذه القدرات في إطار دفاع مشترك لا يعني البحث عن حرب جديدة، وإنما رفع كلفة التفكير في العدوان من أساسه.

استهداف المملكة لم يعد قرارًا يمكن حساب نتائجه من خلال مدى صاروخ أو طائرة مسيّرة، وإنما قرار قد تترتب عليه حسابات سياسية وأمنية وعسكرية أوسع بكثير من قدرة الجماعة على التحكم في نتائجها.

ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن ارتباط الميليشيا الحوثية بالنظام الإيراني، وما تلقته خلال سنوات الصراع من تسليح وخبرات وتقنيات مكنتها من تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة وتهديد الملاحة البحرية. ولذلك فإن رسالة الردع لا تتوقف عند الجماعة التي تنفذ الهجوم، وإنما تصل إلى كل من يدعم استمرار قدرتها على تهديد أمن المملكة والمنطقة.

وفي المقابل، ينبغي الفصل بوضوح بين أمن المملكة والعمليات العسكرية الجارية داخل اليمن. فالمملكة دولة ذات سيادة تعرضت مدنها ومدنيوها ومقدراتها للاعتداء، ولها حق الدفاع عن نفسها. أما القوات المسلحة اليمنية فتخوض معركتها الوطنية لاستعادة الدولة والأرض من جماعة مسلحة فرضت سيطرتها بالقوة.

ويدل مجمل المؤشرات الميدانية على أن الضغط على عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة لم يعد محصورًا في محور واحد.

فالجوف وتعز والبيضاء والساحل الغربي تشهد عمليات متزامنة تدفع الجماعة إلى التعامل مع جبهات متعددة، وتضغط على قدرتها على إعادة توزيع القوات والاحتياطيات وخطوط الإمداد. وكلما اتسعت المحاور أصبحت حرية المناورة أضيق، وارتفعت كلفة الدفاع عن مناطق السيطرة.

ويضيف اتساع العمليات في مأرب بُعدًا عملياتيًا مهمًا إلى المشهد؛ فقد تقدمت القوات المسلحة اليمنية في القطاعين الشمالي والجنوبي، واستعادت مواقع جديدة، ووصلت إلى مشارف معسكر ماس الاستراتيجي شمالي مأرب، مع السيطرة على العكد الرملي ومواقع أخرى، بالتزامن مع استمرار الضغط على مواقع عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة وتعزيزاتها.

وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يضيف جبهة ضغط إلى الجوف وتعز والبيضاء والساحل الغربي، ويدفع الجماعة إلى توزيع قواتها واحتياطياتها على مساحة أوسع، بما يضيق حرية المناورة وإعادة التجميع. أما السيطرة الكاملة على معسكر ماس فلم تثبت بصورة مستقلة حتى وقت إعداد هذا المقال؛ ولذلك يبقى التقدم نحوه هو الوصف العسكري الأدق.

ومن المنظور العملياتي، لا يُشترط أن تحقق جميع المحاور اختراقًا عميقًا في الوقت نفسه حتى تؤدي أغراضها. فقد يحقق أحدها مهمته بمجرد تثبيت قوات الخصم، وإجباره على الاحتفاظ بقوات واحتياطيات في مواجهته، ومنعه من نقلها باتجاه الجهد الرئيسي. وما نُشر حتى الآن في المصادر الإعلامية المفتوحة لا يسمح بالجزم بالمحور الذي يحمل الجهد الرئيسي، وهو غموض قد يخدم حرية العمل والمبادأة لدى القوات المسلحة اليمنية إذا أُحسن استثماره.

وهنا تتقاطع قيمة اتفاق مكة مع تطورات الميدان دون أن تختلط بها. فالاتفاق يرفع مستوى الردع الاستراتيجي للدول الثلاث، بينما تواصل القوات المسلحة اليمنية مهمتها داخل أراضيها. الأولى معادلة دفاع مشترك بين دول ذات سيادة، والثانية معركة لاستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها.

الخلاصة الاستراتيجية

اتفاق مكة للدفاع المشترك لا يحتاج إلى إطلاق صاروخ واحد حتى يثبت أهميته؛ فقيمة الاتفاقات الدفاعية تُقاس أولًا بما تمنعه قبل أن تُقاس بما تفعله بعد وقوع الحرب. وتصريح وزير الدفاع الباكستاني بعد الاعتداءات الأخيرة أعطى هذه المعادلة بُعدًا عمليًا، ورسالة واضحة بأن الالتزامات الدفاعية ليست مجرد نصوص سياسية معزولة عن التطورات الميدانية.

والعدوان الحوثي الأخير على مدن المملكة يقدم للجماعة وللنظام الإيراني الذي ارتبطت به طوال سنوات رسالة واضحة؛ فالمملكة اختارت السلام ودعمته، لكنها لم تتخل عن حقها في حماية أرضها وشعبها ومقدراتها، واتفاق مكة يضيف إلى بيئتها الأمنية عمقًا دفاعيًا واستراتيجيًا جديدًا.

أما داخل اليمن، فإن اتساع الجبهات من الجوف إلى مأرب وتعز والبيضاء والساحل الغربي يضع الميليشيا الحوثية أمام اختبار مختلف؛ فالأرض التي فرضت عليها السيطرة بالسلاح تتحول إلى عبء عندما تتعدد اتجاهات التهديد، وتتوزع القوات والاحتياطيات، وتتعرض خطوط الإمداد للضغط.

والرسالة الأوضح لعصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ومن يقف وراءها أن زمن اختبار صبر المملكة بالصواريخ والمسيّرات ليس طريقًا إلى مكسب سياسي، وأن اتفاق مكة يضيف إلى معادلة الردع حقيقة جديدة؛ فالاعتداء على أحد أطرافه لم يعد حسابًا بين المعتدي ودولة منفردة، وإنما مخاطرة قد تتسع نتائجها إلى ما هو أبعد كثيرًا من تقدير من بدأها.

كاتب رأي

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.