كُتاب الرأي

هرمز … نهاية الورقة الإيرانية؟

هرمز … نهاية الورقة الإيرانية؟

رؤية تحليلية .

السبت الموافق ( 5 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ ظل مضيق هرمز لعقود إحدى أهم أوراق الضغط في يد النظام الإيراني وكلما اشتدت عليه الضغوط عاد التهديد بالمضيق إلى الواجهة أما اليوم فقد تغير السؤال من قدرة النظام على تهديد هرمز إلى قدرته على الاحتفاظ بهذه الورقة عندما يصبح ثمن استخدامها أكبر من قدرتها على حمايته . }

دخلت المواجهة الأمريكية مع النظام الإيراني مرحلة أكثر حساسية في مضيق هرمز بعدما انتقل التهديد بالملاحة من الرسائل السياسية إلى تعطيل فعلي لحركة السفن وعمليات عسكرية وضغوط اقتصادية تتقاطع معها مصالح دولية تتجاوز طرفي الحرب .

وقد أثبت النظام الإيراني أنه قادر على إرباك الملاحة ورفع كلفة التأمين والنقل وإثارة القلق في أسواق الطاقة لكنه في المقابل كشف واحدة من أهم أوراقه الاستراتيجية ووضع قدراته العسكرية المرتبطة بالمضيق أمام المراقبة والضغط والاستهداف .

وهنا تكمن المشكلة بالنسبة لطهران . فورقة الردع تبلغ ذروة قوتها عندما تبقى احتمالا يخشاه الخصم أما عندما يتكرر استخدامها فإنها تكشف أدواتها وتمنح الطرف المقابل الوقت والخبرة لبناء وسائل مواجهتها .

وتدل حركة السفن خلال الأشهر الماضية على أن مضيق هرمز لم يعد يعمل وفق نمطه الطبيعي السابق . فقد تراجعت أعداد السفن العابرة بصورة كبيرة وتغيرت مسارات بعضها وأبحرت سفن أخرى خارج الممرات المعتادة أو أوقفت أنظمة التعريف الآلي في محاولة لتقليل مخاطر الرصد والاستهداف .

كما أصبحت مئات السفن وآلاف البحارة جزءا من أزمة لم تعد عسكرية فقط . فالاعتداءات على الملاحة وسقوط قتلى بين البحارة وتعذر مغادرة عدد كبير من السفن بأمان تكشف أن استمرار الوضع الحالي يحمل كلفة إنسانية وتجارية وأمنية متزايدة .

أما قطاعا الشحن والتأمين فقد دخلا مرحلة مختلفة من حساب المخاطر . فشركات الملاحة تعيد تقييم المرور في مناطق الحرب وشركات التأمين تراجع تغطية الأخطار بينما ترتفع أجور النقل والتأمين والتشغيل . وهذه الكلفة لا تتوقف عند السفينة بل تنتقل إلى النفط والغاز والسلع ثم إلى الأسواق والمستهلكين حول العالم .

وتظهر هنا إحدى النتائج التي قد لا تخدم حسابات النظام الإيراني . فكلما زاد الضغط على الملاحة دفع شركات الشحن والتأمين والدول المستهلكة للطاقة والمنظمات الدولية إلى تطوير وسائل جديدة لإدارة المخاطر وحماية السفن واستمرار التدفقات وهو ما قد يقلل تدريجيا من القيمة المستقبلية لورقة هرمز .

كما أن الضرر لم يعد محصورا بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني . فالدول التي تعتمد على الطاقة العابرة للمضيق أصبحت صاحبة مصلحة مباشرة في استقرار الملاحة وكل توسع في دائرة المتضررين يعني أن طهران قد تجد نفسها أمام دائرة دولية أوسع ترى في حرية المرور مصلحة وطنية وليست مجرد موقف سياسي إلى جانب واشنطن .

ويزداد هذا التحول أهمية عندما ننظر إلى صادرات إيران نفسها . فالضغط الأمريكي على حركة النفط الإيراني جعل الممر الذي استخدمه النظام طويلا للتهديد بصادرات الآخرين نقطة ضغط على صادراته هو أيضا .

فإذا استطاعت الولايات المتحدة تضييق قدرة النظام الإيراني على تصدير نفطه بينما تستعيد صادرات دول الخليج العربي قدرتها على الحركة فإن وظيفة التهديد بهرمز ستتغير تدريجيا من وسيلة لرفع كلفة الضغط على إيران إلى وسيلة قد تزيد الضغط عليها .

ومع ذلك سيكون من المبكر القول إن ورقة هرمز انتهت . فالنظام الإيراني ما زال يمتلك ساحلا طويلا وقدرات صاروخية ومسيرات وألغاما وزوارق سريعة وأدوات للحرب غير التقليدية إضافة إلى خبرة تراكمت خلال عقود من العمل في مياه الخليج العربي .

وتمنحه الجغرافيا قدرة على الإزعاج والمباغتة ورفع المخاطر وكلفة التأمين حتى عندما يعجز عن فرض إغلاق كامل للمضيق .

لكن الفارق بين القدرة على الإرباك والقدرة على السيطرة كبير . يستطيع النظام جعل المرور أكثر خطورة وكلفة لكن كل خطوة تصعيدية جديدة تضع هذه القدرة أمام اختبار مختلف؛ هل تزيد قوة الورقة الإيرانية أم تسرع بناء منظومة دولية هدفها تحييدها؟

وبالنسبة للمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي فإن خطر اضطراب هرمز لم يعد احتمالا نظريا . فقد تعرضت ناقلة النفط السعودية ( سدر ) للاستهداف أثناء عبورها المضيق وسقط ضحايا من طاقمها وهو اعتداء أدانته المملكة وأكدت في موقفها ضرورة وقف التصعيد واحترام سلامة الملاحة وأمن إمدادات الطاقة العالمية .

وهذا الاعتداء يوضح أن استمرار المواجهة يلامس بصورة مباشرة مصالح المملكة ودول الخليج العربي وأمنها الاقتصادي وحركة تجارتها وملاحتها ولا يمكن التعامل معه بوصفه مواجهة بعيدة بين واشنطن وطهران .

ولا يمكن فصل تهديد الملاحة في مضيق هرمز عن الصورة الأوسع لسياسة النظام الإيراني في المنطقة . فمنذ عقود بنى النظام شبكة من الأذرع والجماعات الإرهابية المسلحة واستخدمها لتوسيع نفوذه ونقل الضغط خارج حدوده وفي مقدمتها جماعة الحوثي الإرهابية المسلحة والجماعات المسلحة المرتبطة به في العراق .

وقد امتدت أخطار هذه الشبكة إلى أمن المملكة العربية السعودية ومنشآتها ومصالحها وإلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي . ولذلك فإن مسؤولية النظام الإيراني لا تقف عند ما تنفذه قواته بصورة مباشرة بل تشمل دعمه وتسليحه وتمكينه للأذرع الإرهابية التي أصبحت جزءا من أدوات سياسته الإقليمية طوال عقود.

أما المملكة العربية السعودية فلن تكون مصالحها الوطنية وأمنها وملاحتها وناقلاتها مجالا لابتزاز النظام الإيراني أو أذرعه الإرهابية المسلحة . المملكة دولة راسخة تعرف مصالحها وتحمي أمنها وتعتز بقيادتها ومكانتها ولا تسعى إلى الحرب ولا تنجرف إلى التصعيد لكنها في الوقت نفسه لا تقبل التهديد ولا تسمح بأن تمس مصالحها أو يفرض عليها الآخرون خياراتهم .

كما أن ما تمتلكه المملكة من بدائل لنقل جزء من صادراتها النفطية بعيدا عن المضيق يمنحها مساحة استراتيجية مهمة ويقلل من أثر أي تعطيل محتمل مع بقاء هرمز ممرا دوليا حيويا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي .

الخلاصة الاستراتيجية .

لم يفقد النظام الإيراني ورقة هرمز حتى الآن لكنه يواجه خطرا أكبر من فقدانها وهو أن يستهلكها بيده وأن يحولها من أداة ضغط على الآخرين إلى سبب يدفعهم لبناء القوة القادرة على تحييدها .

كلما استخدم النظام الإيراني المضيق لتهديد الملاحة كشف المزيد من أدواته وقدراته وكلما طال التعطيل اتسعت دائرة الدول المتضررة وكلما اتسعت هذه الدائرة أصبح أمن هرمز مصلحة دولية مشتركة ولم يعد ممكنا اختزاله في المواجهة بين واشنطن وطهران .

لقد بنت طهران طوال عقود جزءا من حسابات قوتها على أن العالم يخشى اضطراب هرمز لكن كثرة استخدام التهديد قد تقلب المعادلة عليها . فالدول تتكيف والأسواق تبحث عن البدائل والقوى البحرية تطور وسائل الحماية وكل أزمة جديدة تمنح الآخرين خبرة إضافية في التعامل مع الورقة الإيرانية .

وعندها لن تكون خسارة النظام الإيراني في أنه عجز عن تهديد هرمز بل في أنه استخدم أهم أوراقه حتى ساهم بنفسه في بناء القوة القادرة على تحييدها؛ فالقوة إذا أفرطت في إظهار نفسها كشفت حدودها والورقة إذا أفرط في استخدامها تراجعت قيمتها ومن يجعل التهديد سلاحه الدائم يعلم خصومه مع الزمن كيف يحيدون أثره .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.