المقال الذي لا يوجع لا يوقظ أحدا

المقال الذي لا يوجع لا يوقظ أحدا
محمد الفريدي
لا زِلْتُ أؤمن أن دور الكاتب ليس أن يقف على مسافة آمنة من وجع الناس، يراقب الحياة من شرفة كلماته المُنَمَّقَةِ، ثم يعود إلى مكتبه ليكتب عن دخان سجائر الكوهيبا الكوبية، ويتجاهل دخان حرائقنا المتصاعدة.
الكاتب الحقيقي لا يقف على الرصيف، وإنما يقترب من الناس ويدخل إلى تفاصيل حياتهم، ويستمع إلى أصواتهم، ويرى ما قد يمر عليه الآخرون دون أن يلتفتوا إليه، ويمد يده إلى الجريح، ويلتقط من فم المقهور كلمة أسقطها الخوف، ثم يعيدها إلى اللغة حتى لا تموت.
ومن هنا تبرز أهمية من ينحاز إلى المواطن والوطن، ولا يتعامل مع المكان بوصفه مادة للكتابة فحسب، وإنما يراه حياة نابضة، وذاكرة تتشكل، ومواطنا يعيش التحولات ويصنعها ويتأثر بها.
ويجعل مقالاته قريبة من الناس، يقرأ حياتهم من الداخل، ويتتبع أحلامهم وهمومهم، ويرصد ما يطرأ على واقعهم من تغيرات، ويستحضر التفاصيل الصغيرة التي تمنح الوطن ملامحه الحقيقية، وتكشف عمق علاقته بأبنائه.
فالوطنية في الكلمة ليست أن نرفع العَلَمَ في كل صفحة، ولا أن نُكْثِرَ من الشعارات، وإنما أن نرى المواطن الذي يعيش تحت هذا العَلَمِ، ونكتب عن واقعه بصدق، وننقل صوته دون تجميل أو مبالغة.
أن نرى الأب الذي يعمل من أجل أسرته، والأرملة التي تنتظر الضمان، والكادح الذي يعود مُنْهَكا، والطالب الذي يحمل حلمه، والشاب الذي يبحث عن مستقبله، والمرأة التي تريد أن تثبت حضورها، والمواطن البسيط الذي قد لا يعرفه أحد، لكنه جزء أساسي من حكاية الوطن.
الوطن في المقال المسؤول ليس خريطة، الوطن مواطن، ومن هذه البُقْعَةِ يكتب الكاتب عن الناس الذين يعيشون فيه قبل أن يكتب عن المكان، فالمكان لا يستمد قيمته من حدوده ومساحاته، وإنما من الإنسان الذي يعيش فيه، ويحمل ذاكرته، ويصنع تفاصيل حياته كل يوم.
هناك من يكتب عن جراحنا من بعيد، وهناك من يقترب منها حتى تكاد أصابع الألم تلتصق بكلماته، فالأول يستطيع أن يحافظ على أناقته ومسافته الآمنة، أما الثاني فتدخل حياتنا بكل تفاصيلها إلى نصه.
ولهذا أرى في تجربته نموذجا للكاتب الذي لا يفصل الكتابة عن المواطن والمجتمع، وإنما يجعل من مقالاته مساحة لقراءة الحياة، ومناقشة أسئلتها، ورصد تحولات الناس وتفاصيل واقعهم.
ولا يبحث عن الوطن في الصور الرسمية وحدها، وإنما يبحث عنه في تفاصيل الناس، وفي المواطن العادي الذي لا يَكْتُبُ التاريخُ اسمه، مع أنه يعيش تحولاته، ويدفع ثمنها، ويصنع جانبا كبيرا من ملامحها.
فالتاريخ يحفظ أسماء المسؤولين والقادة والأحداث الكبرى، لكنه ينسى وجه المرأة التي انتظرت، والرجل الذي عمل، والشاب الذي حلم، والطفل الذي كبر قبل أوانه، والمواطن الذي عاش مرحلة كاملة، ثم مضى دون أن ينقل أحد حكايته.
أما الكتابة فتستطيع أن تمنح هؤلاء حياة أخرى، وتقول للمواطن الذي يجلس في الظل: أنا أراك، وحياتك لم تكن هامشا، وحكايتك تستحق أن تبقى، وهذه واحدة من أسمى وظائف الكتابة.
الكاتب الشجاع ليس من يصرخ أكثر، وإنما من يسأل أكثر: لماذا حدث هذا؟ ومن دفع الثمن؟ ومن بقي خارج الصورة؟ ومن تغيرت حياته؟ ومن كتب التاريخ باسمه، بينما بقي الذين عاشوا تفاصيله في الظل؟ فمهمته ليست أن يقدم إجابات جاهزة، وإنما أن يفتح الأسئلة، ويضع الحقيقة أمام القارئ، ويجعله يرى ما اعتاد الآخرون تجاهله.
وظيفة الكاتب ليست أن يقدم لنا الإجابات الجاهزة، وإنما أن يفسد علينا رَاحَتَنَا، وأن يجعلنا نرى ما تعودنا ألا نراه، فالظلم لا يصبح عادلا لأنه استمر، والموت لا يصبح طبيعيا لأننا اعتدنا عليه، والصمت ليس دائما سلاما، وهنا تكمن شجاعة الكاتب الحقيقي: ألا يجعل الكتابة ستارة تخفي الواقع، وإنما نافذة تكشفه.
هناك كتاب يتركون أوطانهم عندما يغادرونها، وهناك كتاب يحملون أوطانهم معهم، والكاتب الحقيقي من بين هؤلاء، هو من يحمل وطنه في لغته، وفي ذاكرته، وفي شخصياته، وفي الأماكن التي يسكنها الناس قبل أن توثقها الوثائق.
ولهذا فإن الوطنية الأصعب ليست أن تحب وطنك في لحظات الفرح والمناسبات فقط، وإنما أن تحبه بما يكفي لكي تنظر إلى المواطن داخله، وتفهم تحولاته، وتحفظ ذاكرته، أن تحبه، لا أن تجامله، وأن تراه كما هو، لا كما تريد له أن يكون.
فالكاتب الذي يحب وطنه حقا لا يضع المساحيق على وجه الواقع، وإنما يضع إصبعه على موضع الألم ويقول: هنا يحتاج المواطن إلى أن نراه، وهنا تحتاج الحياة إلى أن نفهمها.
المتفرج يرى المشهد ويصفه ثم ينصرف، أما الشاهد فتظل الحكاية معه، والمتفرج يسأل: ماذا حدث؟ أما الشاهد فيسأل: لماذا حدث؟ ومن تأثر به؟ ومن بقي يحمل أثره؟ ومن هنا أرى الكاتب الحقيقي، ليس مجرد راو للحكاية، وإنما شاهد عليها، والشاهد لا يستطيع أن يكون محايدا أمام الوطن والمواطن.
حين يتألم المواطن، لا تكفي البلاغة، وحين تضيع الحكاية، لا تكفي اللغة، وحين تموت الذاكرة، يصبح القلم أحد أشكال المقاومة؛ ليس لأنه يستطيع أن يوقف الزمن أو يغير كل شيء، وإنما لأنه يستطيع أن يمنع المواطن من الموت مرة ثانية: موته في الذاكرة.
لقد مللنا من المقالات التي تصف لنا النوافذ ولا تفتحها، نريد كتابات لها غبار على أحذيتها، تعرف رائحة الخبز، وتعب العامل، وقلق الأسرة، ودمعة الأم، ووحدة الشيخ، وحيرة الشباب، وفرحة الطفل، ومدينة تتغير في النهار وتحتفظ بذاكرتها في الليل، ولا تخجل من الشارع، ولا تخاف من الحقيقة، ولا تعتذر عن مواطنتها.
ولهذا بقيت مؤمنا بأن قيمة الكاتب ليست في عدد ما كتب فقط، وإنما في الجهة التي اختار أن يقف فيها. هل وقف إلى جانب المواطن؟ هل حفظ ذاكرة المكان؟ هل حاول أن يجعلنا نرى ما لا نراه؟ هل حمل القلم باعتباره مسؤولية، لا مجرد زينة؟
هذه هي الأسئلة التي تمنح الكاتب قيمته، لأن الكلمات مهما كثرت لا تصنع كاتبا، ما لم يكن وراءها موقف، وما لم يشعر من يقرأها أن صاحبها كتب لأنه رأى شيئا يستحق أن يقال.
فالكتابة ليست دائما طريقا إلى المجد، أحيانا تكون طريقا إلى الوجع، لكنها مع ذلك تبقى الطريق الذي يمنع الذين عاشوا قبلنا من أن يموتوا مرتين: مرة حين ماتوا، ومرة حين نسيناهم، والكاتب الحقيقي يقف في الجهة الأخرى من النسيان: جهة المواطن، جهة الذاكرة، جهة الوطن.
ومن هنا يصبح المقال موقفا، والقلم شهادة وذاكرة، ويصبح الكاتب الذي يرفض الصمت صوتا لمن لم يجدوا من يمنح معاناتهم حقها في الكلام، وحارسا للحقيقة في وجه التحريف والنسيان.
وعندما يضع الكاتب المواطن في قلب نصه، تصبح الكتابة أكثر صدقا، ويصبح المقال قادرا على تسجيل ما قد تغفله الأيام، وحفظ ما يستحق أن يبقى حاضرا. فالكلمة الصادقة لا تنتهي بانتهاء لحظة نشرها، وإنما تظل حاضرة كلما احتاج الناس إلى صوت يذكرهم بما حدث، ويمنح الحقيقة مكانها في الذاكرة.
سلاما لقلم اختار أن يحمل مسؤوليته، وينحاز إلى المواطن في أسئلته وهمومه، وإلى الوطن في ذاكرته وتحولاته، ويجعل من الكتابة بحثا عن المضمون، ومحاولة لفهم الإنسان والحياة، وحفظا لما يستحق أن يبقى من التجربة في ذاكرة الوطن.
ومن قلب الكتابة التي تجعل من المواطن قضية، ومن الوطن ذاكرة، نقول إن الكاتب الحقيقي لا يكتب ليكون صدى سريع الزوال، وإنما ليترك أثرا، ويمنح الحقيقة صوتا، ويحفظ للتجربة ما تستحقه من البقاء.
فالمجد الحقيقي لا تمنحه الجوائز وحدها، ولا تصنعه الألقاب، وإنما تمنحه ذاكرة الناس، وما يبقى في النهاية ليس صخب الكاتب، وإنما أثره وصدق كلماته، ولا الصورة التي يرسمها عن نفسه، وإنما البصمة التي يتركها في وجدان قرائه، وهذا هو الكاتب الذي لا يخاف من الوجع، ويجعل من كتابته مساحة لرؤية المواطن وفهم الوطن.
وعندما تبلغ الكتابة هذه المكانة، لا تعود مجرد كلمات، وإنما تصبح شهادة وموقفا يحفظان الحقيقة من الضياع، ويمنحان الذاكرة قدرة على مقاومة النسيان، ويصبح الكاتب حارسا لصوت المواطن في وجه الزمن، فالمقال الذي لا يوجع لا يوقظ أحدا، والكاتب الذي لا يرى وجع الناس لن يستطيع أن يكتب شيئا يبقى في ذاكرتهم.




مقال ممتع بعنوانه وبـمضمونه
وتفعيله أجمل ، لأن صوت القلم
قديكون أقوى من أزيز الرصاص أحيانا،
ولاضير طالما الهدف الصالح العام .
مقال جميل استاذ محمد بالفعل المقال الذي لا يوجع لا يوقظ أحدا