كُتاب الرأي

لصوص الظل والفساد الرمادي

لصوص الظل والفساد الرمادي

محمد الفريدي

إن النهضة الحقيقية للأمم لا تبنى فقط بالخطط الاستراتيجية والميزانيات المليارية، وإنما تبنى في المقام الأول بالحزم والإرادة الصلبة في اجتثاث الفساد من جذوره.

فالفساد الإداري ليس مجرد انحراف بسيط أو خطأ غير مقصود يمكن علاجه، بل هو أورام مستشرية تمزق جسد الوطن، وتستنزف موارده، وتنسف مبدأ تكافؤ الفرص، وتزرع الإحباط في نفوس الكفاءات والمخلصين.

ولم تعد الإعلانات المتواصلة الصادرة عن هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) مجرد بيانات روتينية لضبط المخالفات، وإنما أصبحت تكشف الستار عن ممارسات إدارية ملتوية تعتاش على ثغرات النظام، وتستغل نفوذ الوظيفة منذ زمن بعيد.

فقد وظف أحد المسؤولين في هيئة تطوير إحدى المناطق زوجته في شركة متعاقدة مع جهة عمله، وحصلت على رواتب شهرية دائمة دون أن تطأ قدمها مقر الشركة يوما واحدا.

وهذا النموذج المشين ليس سوى قشرة بسيطة تطفو على سطح جبل يختفي تحته عالم كامل من الفساد والعلاقات المشبوهة.

فلا ينشأ أي فساد إداري عندنا من فراغ ولا يعتمد على العشوائية، وإنما يمارس وفق هندسة خفية تستغل الثغرات في اللوائح التنفيذية والأنظمة.

وتتنوع مظاهر هذا الفساد بين التوظيف الوهمي، وتعارض المصالح باستغلال النفوذ لتأمين المزايا للأقارب والمقربين في الشركات المتعاقدة، والتواطؤ في ترسية المناقصات بالتلاعب بالمواصفات الفنية أو تجزئة المشاريع لتمريرها إلى جهات محددة مقابل عمولات غير مباشرة، وإساءة استخدام السلطة بتحويل الصلاحيات إلى أدوات للضغط والمساومة، مما أخل بتكافؤ فرص المنافسة وأضر بالبيئة الاستثمارية.

وقد نشطت هذه الشبكات في بيئات خصبة تغذت على ضعف الحوكمة والشفافية، وغياب المعايير الواضحة في تقييم العقود وتوزيع المزايا، إلى جانب البيروقراطية التي استغلت لتأخير المعاملات، وافتعال الحاجة إلى التسهيلات والوساطات.

كما استغلت تلك الشبكات غياب التتبع المالي الذكي لتغطية التدفقات المشبوهة، وتحويل المكتسبات غير المشروعة إلى قنوات رمادية أعاقت عملية الملاحقة والرقابة.

وهنا ينكشف المعنى الحقيقي لما يمكن تسميته بالفساد المتستر بالقانون، ويتوارى المفسدون خلف بنود اللوائح والأنظمة، ويستغلون المساحات الرمادية التي تتيحها البيروقراطية لتمرير صفقات وتعيينات تسلب المؤسسات الحكومية كفاءتها، وتفقدها حياديتها.

والخطورة الحقيقية في هذه النماذج لا تكمن فقط في المبالغ المالية المستنزفة، وإنما في الرسالة السلبية التي ترسلها إلى الكفاءات الشابة والمخلصين، وهي أن النفوذ والعلاقات الضيقة هما الطريق الأقصر لنيل الفرص والاستحقاقات والترقيات والمزايا.

وأمام هذا الواقع، خاضت الأجهزة الرقابية معركة وعي قبل أن تكون معركة ضبط، فلم يعد مجديا انتظار وقوع الجريمة لتقييدها ضد مجهول، أو ملاحقة أطرافها بعد فوات الأوان.

وكان التحول المطلوب يقتضي تعرية شبكات النفوذ عبر تقنيات الرصد المالي والإداري المتقدمة، وإعادة هيكلة الإجراءات بما يضمن كشف الوظائف الحكومية وتجريدها من أي حصانة قد تستغل خارج نطاقها المشروع.

وكسر حلقة الفساد يتطلب إرادة تجعل المستفيد والوسيط والمسؤول الساكت عن الخلل سواء في المساءلة، فلا حصانة لمتقاعس، ولا خطوط حمراء أمام فتح الملفات الحساسة، لأن حماية المقدرات الوطنية تقتضي التعامل بصرامة لا تفرق بين الخطأ الإداري الناتج عن الجهل والسلوك المتعمد الذي يعتاش على المال العام، بما يرسخ بيئة عمل صلبة تقدس الأمانة، وتستعيد ثقة المجتمع في مؤسساته.

وهذه المواجهة الشرسة تجسد إعادة تعريف مفهوم الدولة التي تنظر إلى المال العام كخط أحمر لا يقبل المساومة.

ولا يتحقق هذا التحول الرقابي إلا بكسر الصورة النمطية القديمة التي تكتفي بالرقابة الشكلية أو المعالجات غير المعلنة خلف الأبواب المغلقة، فقد أضحى إعلان نزاهة عن ملفات الفساد، وملاحقة المفسدين، رسالة علنية ومباشرة تؤكد أن العصر الذي يختبئ فيه المفسدون خلف مناصبهم أو علاقاتهم قد ولى إلى غير رجعة.

إن اقتلاع الفساد من جذوره يقتضي بناء بيئة عمل لا تكتفي بفرض العقوبات الرادعة فحسب، وإنما تجعل النزاهة ممارسة يومية تقاس بها كفاءة القيادات وأهليتها لإدارة المنشآت العامة.

فالتشريعات واللوائح، مهما بلغت دقتها وصرامتها، تظل عاجزة عن ملاحقة كل تفصيلة إدارية ما لم تكن مدعومة بضمير يعيد الاعتبار لمعايير الجدارة والاستحقاق، وينبذ كل أشكال المحسوبية والوساطة، ويؤمن الحماية الكافية للموظف النزيه في مواجهة أي ضغوط قد تُمارس عليه لتمرير التجاوزات.

وقد أثبتت التجارب الإدارية أن الفساد غالبا ما يتسلل من الثغرات التي يتركها الغموض في اللوائح، أو من خلال الصلاحيات التي تُمنح دون آليات تتبع واضحة.

ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تتطلب إجراء مراجعات شاملة ومستمرة لكافة الأنظمة ذات الصلة بالمال العام والترسيات الحكومية بغرض تضييق الخناق على أي اجتهاد فردي قد يُستغل في غير موضعه.

بالتوازي مع تطبيق التحول الرقمي والأتمتة الكاملة للخدمات والمناقصات، كحجر زاوية يضمن تحويل الإجراءات المالية والإدارية إلى مسارات رقمية مكشوفة تترك أثرا لا يمكن محوه، ويلغي التدخل البشري المباشر، ويقطع دابر الفساد الرمادي في مهده، ويعزز منظومة الإبلاغ الآمن للموظفين والمواطنين، ويؤمن الحماية التامة لهم، بما يرسخ النزاهة مفهوما وثقافة مؤسسية ومجتمعية شاملة.

وفي جوهر هذه المعركة الوطنية، يعتمد النجاح الحقيقي على المخلصين الذين يواصلون أداء واجباتهم بأمانة، ويرفضون المساومة على مسؤولياتهم رغم كل التحديات.

وحين تضرب الدولة بيد من حديد على أيدي من عبثوا بالأمانة، فإنها تفتح الأبواب واسعة أمام هذه الكفاءات لتبوّء مكانتها المستحقة، وتستعيد للوظيفة العامة هيبتها وكرامتها المفترضة.

كما أن استئصال هذه الآفات يعيد الثقة الكاملة إلى المجتمع، ويشعر المواطن بأن جهده وعطاءه يصبان في مسارهما الصحيح لبناء الوطن، لا لإثراء المفسدين، ويسهم في توفير بيئة استثمارية عادلة وجاذبة لرؤوس الأموال الجادة التي تبحث عن منافسة شريفة تحميها مظلة القانون.

إن معركة اجتثاث الفساد ليست خيارا ثانويا أو حملة مؤقتة، وإنما هي الركيزة الأساسية والشرط الأول لضمان استدامة التنمية ونجاح أي خطة طموحة.

فلا استثمار يزدهر في بيئة قائمة على الرشوة، ولا تعليم يثمر في ظل التجاوزات، ولا رؤية مستقبلية تتحقق بينما تُهدر الميزانيات في الممرات المظلمة.

ولن يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح، فالدول التي تسعى لبناء مستقبل صلب ومستدام لا تتسامح مطلقا مع من يستغلون أمانة المسؤولية لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب الوطن ومقدراته.

إن معركة النزاهة مستمرة ومتواصلة للوصول إلى وطن شامخ ونظيف يعلو فيه صوت القانون فوق كل اعتبار، وتُقطع فيه أيدي العابثين، ليبقى التميز والاستحقاق هما المعيار الوحيد لخدمة الوطن ورفعة شأنه.

وسنقضي على لصوص الظل وأباطرة الفساد الرمادي عندما تتحول الشفافية من مجرد إجراء نظامي إلى ثقافة مجتمعية، وعندما تغلق كل المساحات الرمادية أمام من يظنون أن الظل ملاذ آمن.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.