كُتاب الرأي

بائع الظل

بائع الظل
============

سعود شباب العتيبي

قد يبدو اسم “بائع الظل” للوهلة الأولى عنواناً لقصيدة شعرية أو رواية متخيلة، لكنه في حقيقته يُحيل إلى واحدة من أغرب المهن الشعبية القديمة في مصر، والتي ولدت من رحم الحاجة وقسوة المناخ، لتتحول مع الوقت من حرفة مادية اندثرت إلى فلسفة إنسانية عميقة نعيشها في كل تفاصيل حياتنا المعاصرة.في أزقة القاهرة القديمة وحاراتها الضيقة، حيث كانت تتعامد شمس الصيف الحارقة على رؤوس المارة، كان ينساب رجل يحمل فوق كتفيه صيفاً كاملاً من الراحة. لم يكن هذا الرجل يبيع ماءً مُثلّجاً ولا فاكهة باردة، بل كان يبيع ما هو أثمن في هجير أغسطس؛ كان يبيع “الظل”. ظهرت هذه المهنة كحرفة خدمية بسيطة تعتمد على الذكاء التجاري في استغلال الطبيعة وقسوة الطقس، حيث كان بائع الظل يتجول في الأسواق والميادين المفتوحة حاملاً معه مظلات ضخمة مصنوعة من القماش السميك أو الخوص. وحين كان يشتد القيظ، ويضطر المارة أو التجار في الأسواق المكشوفة إلى السير أو الوقوف لفترات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة، كان بائع الظل يتدخل، فيسير بمحاذاتهم خطوة بخطوة، ناصباً مظلته فوق رؤوسهم طوال فترة حركتهم مقابل قروش قليلة يرتضيها الطرفان، ليصنع لهم بقعة باردة ومحمية وسط لظى النهار.وتكمن عبقرية هذه المهنة وغرابتها في مفارقة إنسانية صارخة، فهذا البائع الذي يشتري منه الناس نسمة باردة، يقضي يومه كله واقفاً أو سائراً تحت الشمس الحارقة، يلفح السموم وجهه وجسده بينما يمنح الآخرين بقعة رطبة. إنه يبيع للآخرين الظل الذي لا يملكه لنفسه، ويصنع لغيره واحة أمان بينما يظل هو العطشان الملفوع باللهيب. ومع تطور العمارة وانتشار المظلات الشخصية ووسائل التكييف الحديثة، استسلمت المهنة لقطار التطور الحضاري واختفت بشكلها المادي والتقليدي، لكن جوهرها وفكرتها لم يندثرا على الإطلاق، بل تحولا إلى امتداد معنوي وفلسفي نعيشه في مجتمعاتنا كل يوم.إذا تأملنا تفاصيل حياتنا المعاصرة، سنجد “باعة الظل” في كل زاوية، يقفون في الشمس لكي يعيش غيرهم في الظل. نراهم في الموظف المغمور الذي يقضي زهرة شبابه خلف المكاتب، يحترق بالجهد والسهر ليصنع نجاح مؤسسته الكبرى ويقودها نحو الصدارة، بينما يذهب التقدير والأضواء لغيره ويبقى هو في ظلال النسيان. ونراهم في المعلم الباني الذي ينحت في الصخر ويفني صحته وعمره ليبني عقول أجيال المستقبل، ويقودهم نحو مراتب الثراء والرفعة، بينما يعيش هو تفاصيل يومه بصعوبة واكتفاء بائس، ليبيع النور وهو يحترق في عتمة التجاهل. كما نراهم في واهب الأمان، كالأب أو الأم أو الجندي المرابط، ممن يمنحون الآخرين الأمان المطلق والراحة التامة، بينما تفيض أرواحهم بالقلق ويفتقدون هم أنفسهم لأدنى درجات الاستقرار.إن الحياة في جوهرها قائمة على أكتاف أولئك الذين يرتضون الوقوف في الهجير لتستمر مسيرة الآخرين. والعدالة الإنسانية الحقيقية لا تكمن فقط في أن نستمتع بالظل البارد الذي نعيش تحته اليوم، بل في أن نتذكر دائماً وأبداً ذلك الشخص البسيط الذي حمل المظلة، وتحمل لظى الشمس ليوفر لنا النسمة الباردة. فالتفت حولك الآن في مساحات أمانك ونجاحاتك الحالية، وابحث في تفاصيل يومك: من هو «بائع الظل» المجهول الذي يحمل المظلة فوق رأسك ويتلقى اللهيب بدلاً منك؟

كاتب رأي 

 

سعود شباب العتيبي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.