كُتاب الرأي

*القصف الأمريكي لإيران مرجح مجددا …*

 

*القصف الأمريكي لإيران مرجح مجددا …*

*رؤية تحليلية .*

*الأحد الموافق ( 20 ) سبتمبر ( 2026 )م .*

*كتبه؛* *اللواء البحري الركن المتقاعد /* *عبدالله بن سعيد الغامدي* *دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .*

*( في حسابات الردع لا تبدأ الضربة عندما تقلع الطائرات، بل عندما تصل الدولة إلى قناعة بأن كلفة الانتظار أصبحت أعلى من كلفة استخدام القوة . )*

تتسارع المؤشرات السياسية والعسكرية في المنطقة بصورة تجعل *استئناف القصف الأمريكي لإيران احتمالا متصاعدا في تقدير الموقف الراهن*، وإن لم يصدر حتى الآن إعلان أمريكي يؤكد اتخاذ قرار بتنفيذ هجوم جديد.

إيران أعلنت أنها تلقت مؤشرات تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف عملياتها العسكرية ضدها، وحذرت من أن أي هجوم جديد سيقابله رد انتقامي، ووسعت دائرة التحذير لتشمل دول المنطقة التي قد تتعاون مع واشنطن، من دون تقديم دليل علني محدد يثبت أن قرار الهجوم قد اتخذ بالفعل.

*وهنا تبدأ القراءة الاستراتيجية.*

فالتحذير الإيراني يمكن فهمه باعتباره محاولة لبناء *ردع استباقي قبل الضربة*؛ برفع الكلفة المتوقعة على الولايات المتحدة وتضييق البيئة الإقليمية التي يمكن أن تستفيد منها واشنطن في أي عملية محتملة.

لكن هنا تظهر *مفارقة استراتيجية*؛ فطهران، وهي تحاول منع الضربة برفع كلفتها، قد ترفع في الوقت نفسه احتمالات وقوعها إذا فسرت واشنطن اتساع دائرة التهديد الإيراني باعتباره دليلا على أن الردع القائم لم يعد كافيا.

وفي المقابل، صدرت تحذيرات أمنية أمريكية بشأن احتمالات التصعيد واضطراب حركة الطيران وإغلاق المجالات الجوية، بالتزامن مع عودة الرئيس الأمريكي إلى البيت الأبيض قبل الموعد المقرر لانتهاء إقامته في كامب ديفيد. وهذه مؤشرات مهمة، لكنها *لا تثبت منفردة أن ساعة الصفر قد حددت*؛ فقيمتها تكمن في *تزامنها وتراكمها واتجاهها العام*.

وهنا يقع مركز الثقل في القرار الأمريكي عند سؤال واحد:

*هل أصبحت كلفة عدم القصف أعلى من كلفة القصف؟*

إذا وصلت واشنطن إلى هذه القناعة، ارتفعت احتمالات استخدام القوة؛ فالمسألة ليست في القدرة الأمريكية على تنفيذ الضربة، وإنما في تقدير الحاجة إلى *استعادة الردع* ومنع إيران من فرض معادلة تقيد حرية الحركة الأمريكية أو تهدد قواتها ومصالحها.

ومن هنا يمكن استنتاج أن أي قصف أمريكي جديد، إن وقع، *ليس بالضرورة مقدمة لحرب شاملة*؛ فقد يكون عملا عسكريا محسوبا يستهدف قدرات محددة، ويعيد ضبط ميزان الردع، ويستعيد المبادأة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا.

لكن المعضلة تبدأ بعد ذلك؛ لأن *مرحلة ما بعد الضربة قد تكون أكثر تعقيدا من الضربة ذاتها*. فإذا ردت إيران بصورة واسعة، وردت واشنطن مجددا، فقد تبدأ دورة من الفعل ورد الفعل يصعب ضبط سقفها مع كل جولة.

وهكذا تتشكل معادلة الأزمة:

*واشنطن تريد الاحتفاظ بحرية المبادأة، وطهران تريد رفع كلفة استخدامها.*

وتزداد خطورة المعادلة بسبب الجغرافيا؛ فمضيق هرمز شريان حيوي للطاقة والتجارة الدولية، فيما تتصل تداعيات الصراع بأمن البحر الأحمر وباب المندب. وأي تصعيد واسع قد ينقل الأزمة من مواجهة أمريكية إيرانية إلى اضطراب يمس الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد.

وفي هذه البيئة يأتي التصعيد الحوثي ضد المملكة ليضيف ضغطا آخر إلى المشهد الإقليمي، *مع الدعم الإيراني للجماعة*. ومع ذلك، فإن الدفاع عن أراضي المملكة وسيادتها في مواجهة الاعتداءات الحوثية *مسار قائم بذاته*، وإن تقاطعت تداعياته مع البيئة الاستراتيجية للصراع الأمريكي الإيراني.

*وهنا تظهر مسؤولية سياسية واستراتيجية لسياسات النظام الإيراني عن جانب مهم من اتساع دائرة الخطر الإقليمي.* فالمشكلة لم تعد في خلاف طهران مع واشنطن وحده، وإنما في نهج امتد سنوات يقوم على دعم وتسليح وتمكين جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدول واستخدامها أوراق ضغط، وفي مقدمتها *ميليشيا الحوثي المسلحة*.

*فمن يبني نفوذه على تسليح الفاعلين من غير الدول، لا يستطيع أن يفصل نفسه عن النتائج عندما تتحول أسلحتهم إلى مصدر تهديد للدول والممرات البحرية والمدنيين.*

ومن هنا يصعب على طهران أن تطالب دول المنطقة بالنأي بنفسها عن المواجهة، بينما تسهم سياساتها وشبكة حلفائها المسلحين في نقل آثارها إلى أراضي هذه الدول ومصالحها.

وتلك هي *المفارقة الأشد*؛ فكلما استخدم النظام الإيراني أذرعه المسلحة لتوسيع مساحة الضغط، اتسعت دائرة الدول التي ترى في هذا النهج تهديدا لأمنها، وقد تتحول أدوات النفوذ الإيراني نفسها إلى سبب يدفع الآخرين إلى تعزيز تحالفاتهم ورفع جاهزيتهم وبناء ترتيبات دفاعية أكثر تماسكا.

*فالضغط المفرط قد لا يفكك شبكة الخصم، بل قد يدفع أطرافها إلى مزيد من التقارب.*

كما يضيف *اتفاق مكة للدفاع المشترك* متغيرا مهما؛ فاتساع المخاطر يدفع دول المنطقة إلى تنويع خياراتها وشراكاتها الدفاعية، بما قد يقود إلى *إعادة تشكيل تدريجية لمنظومة الأمن الإقليمي*.

ومن منظور العلاقات الدولية، لم يعد الصراع يدور فقط حول الضربة القادمة، وإنما حول *من يملك القدرة على رسم حدود الحركة والردع في المنطقة*.

وعليه، فإن *مؤشرات استئناف القصف الأمريكي لإيران تتصاعد في تقدير الموقف الراهن، بما يرفع احتمال وقوعه مجددا، من دون أن يجعله حتميا*.

فالقرار سيظل مرتبطا بالمعلومات الاستخباراتية، ومستوى التهديد الإيراني، وطبيعة الأهداف، واحتمالات الرد، والقدرة على احتواء التصعيد بعد الضربة، وما إذا كانت الدبلوماسية تستطيع إنتاج تسوية قبل بلوغ نقطة اللاعودة.

ويبقى السؤال الذي قد يحسم اتجاه الأزمة:

*هل ترى واشنطن أن كلفة عدم القصف أصبحت أعلى من كلفة القصف؟*

إذا أصبحت الإجابة داخل دوائر القرار الأمريكي *نعم*، فقد تنتقل الأزمة من *لغة التحذيرات إلى لغة العمليات*.

*وعندها لن يكون السؤال الأصعب:*

*متى تبدأ الضربة؟*

*بل:*

*كيف ستتوقف الجولة التالية بعد أن تبدأ؟*

*( تبدأ الحروب حين تشاء، لكنها لا تنتهي حين تشاء . )*

 

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.