كُتاب الرأي

كهبوب… عندما تتكلم الأرض الحاكمة .*

كهبوب… عندما تتكلم الأرض الحاكمة .*

*رؤية تحليلية .*

*الجمعة الموافق ( 18 ) سبتمبر ( 2026 )م .*

*كتبه؛* *اللواء البحري الركن المتقاعد /* *عبدالله بن سعيد الغامدي* *دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .*

*( في الميدان قد تكون قمة واحدة أثقل في ميزان الحرب من مساحة واسعة؛ لأن من يرى أبعد يستطيع أن يتحرك أبكر، ومن يسيطر على الطريق يستطيع أن يفرض إيقاع المعركة . )*

ليست كل الأرض في الحساب العسكري متساوية؛ فهناك أرض تقاس بالكيلومترات، وهناك *أرض حاكمة* تقاس بما تمنحه من مراقبة وتأثير في الحركة وإشراف على طرق الاقتراب والإمداد. ومن هذا المنظور تحديدا ينبغي قراءة ما يجري في *جبال كهبوب* المطلة على منطقة باب المندب.

وفقا لما نشر في *المصادر الإعلامية المفتوحة*، استعادت القوات الحكومية اليمنية مواقع مهمة في سلسلة كهبوب، بينها *جبل سن صنفة*، وتمكنت من فتح *خط النابية* الذي يصل القرى الساحلية في رأس العارة بالمواقع الجبلية ويستخدم للحركة والإمداد. وتحدثت مصادر يمنية لاحقا عن *استعادة السيطرة على كامل المرتفعات* وتثبيت القوات فيها، بينما أشارت مصادر أخرى إلى استمرار الاشتباكات؛ ولذلك تظل الصورة الميدانية بحاجة إلى متابعة قبل الجزم باستقرار السيطرة بصورة نهائية.

*وهنا تبدأ القراءة العسكرية الأهم .*

استعادة المرتفع ليست نهاية المهمة؛ بل بداية مرحلة مختلفة، لأن قيمة *( الأرض الحاكمة )* لا تنبع من السيطرة عليها وحدها، وإنما من القدرة على الاحتفاظ بها وتحويلها إلى عنصر مؤثر في *الموقف العملياتي*.

فمن يسيطر على المرتفعات المناسبة يكتسب مجالا أوسع للمراقبة، وتتسع أمامه القدرة على قراءة حركة الخصم، بينما تضيق أمام الطرف الآخر *( حرية المناورة )*، وتصبح تحركاته وطرق إمداده *أكثر عرضة للرصد والتأثير*. وهنا تتحول الجغرافيا من مساحة صامتة إلى عامل فاعل في ميزان المعركة.

ومن هذه الزاوية، فإن *كهبوب ليست مجرد جبل*؛ فقيمتها ترتبط بموقعها وبالطرق والمحاور المحيطة بها وقربها من منطقة باب المندب. وإذا استقرت السيطرة الحكومية عليها، فإن أهميتها قد تتجاوز حدود الموقع ذاته إلى التأثير في *الحسابات العملياتية* على امتداد هذا القطاع من الساحل.

والأهم أن قراءة كهبوب ينبغي ألا تنحصر في سؤال: *من يسيطر على القمة؟* بل في سؤال أكثر عمقا: *من يستطيع تحويل السيطرة عليها إلى أفضلية عملياتية مستدامة؟*

فهنا يظهر الفارق بين *( كسب الأرض )* و *( توظيف الأرض )*. الأول *تغير في السيطرة الميدانية* قد يحدث خلال ساعات، أما الثاني فيرتبط بقدرة القوة المسيطرة على المحافظة على موقعها واستمرار فاعليته ضمن الصورة العملياتية الأشمل.

*ومع تصاعد الضغط الميداني… جاءت الاعتداءات الحوثية .*

وتزامنت هذه التطورات الميدانية مع اعتداءات *عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة* بالصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه أراضي المملكة العربية السعودية، وشملت خلال موجة التصعيد الأخيرة *الطائف وأبها وخميس مشيط وجازان ونجران*، إضافة إلى إعلان المملكة اعتراض وتدمير طائرة مسيرة أطلقتها الجماعة الآثمة باتجاه *مكة المكرمة… بيت الله الحرام وقبلة المسلمين*، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، فيما أنكرت تلكم العصابة الإرهابية المسلحة استهداف مكة !.

ويمثل توجيه طائرة مسيرة باتجاه *مكة المكرمة*، وفق ما أعلنته المملكة، *تصعيدا بالغ الخطورة*؛ فالمساس بأمن البلد الحرام لا يقف عند حدود الاعتداء على المملكة، وإنما يمس حرمة أقدس بقاع المسلمين ومشاعرهم في أنحاء العالم. ولذلك لم يمر هذا *العدوان الصائل الآثم* دون إدانة عربية وإسلامية واسعة؛ فقد أدانت *منظمة التعاون الإسلامي* الاعتداءات الحوثية على المقدسات والأعيان المدنية، واعتبرتها إرهابا يتنافى مع القيم الإسلامية والأعراف والمبادئ والقوانين الدولية، كما أدان *مجلس التعاون لدول الخليج العربي* محاولة استهداف مكة بأشد العبارات، وعدها عملا إرهابيا وتصعيدا بالغ الخطورة وانتهاكا لحرمة أقدس بقاع الأرض وقبلة المسلمين، بالتزامن مع مواقف إدانة وتضامن من دول عربية وإسلامية عدة.

وجاء الاعتداء على *الطائف* يوم الخميس ليؤكد خطورة استهداف المدن والمدنيين؛ إذ أعلنت الجهات السعودية المختصة اعتراض وتدمير طائرة مسيرة حوثية، وأدى سقوط شظاياها إلى *وفاة مقيم يمني وإصابة مواطنة سعودية ومقيم باكستاني*، فضلا عن أضرار مادية.

ولا يمكن التأكيد، دون دليل مباشر، بأن توقيت هذه الاعتداءات جاء بقصد صرف الأنظار عما تتعرض له الجماعة من ضغوط وخسائر ميدانية؛ غير أن *التزامن العملياتي* يثير احتمالا يستحق القراءة؛ فقد يكون من أهداف هذا التصعيد صرف الأنظار عن الضغوط الميدانية، ونقل مركز الاهتمام السياسي والإعلامي إلى الاعتداءات خارج اليمن.

غير أن ثمة فارقا عسكريا جوهريا بين *( الاعتداء بالصواريخ والمسيرات )* و *( تغيير ميزان المعركة على الأرض )*. فالاعتداء على المدن والمدنيين لا يعوض *فقدان موضع حاكم أو التراجع عنه*، ولا يستعيد طريقا فقدت السيطرة عليه، ولا يلغي أثر تقلص *( حرية المناورة )* عندما يتغير الموقف الميداني.

وهذا يقود إلى مفهوم *( المبادأة )*. فالمبادأة في الفكر العسكري ليست مجرد كثرة الحركة أو الهجوم، وإنما القدرة على التأثير في إجراءات المعركة المتخذة بحيث يصبح الخصم مضطرا إلى إعادة حساباته والاستجابة للموقف الجديد بدل الاستمرار في فرض خياراته السابقة.

أما الاختبار الفعلي لكهبوب فلن يكون في خبر استعادتها وحده، وإنما فيما يأتي بعد ذلك؛ *هل تستقر السيطرة؟ وهل تتحول المرتفعات إلى عنصر ثابت في ميزان القوة؟ وهل يصبح وجود القوات عليها قادرا على تغيير حسابات الخصم؟*

*ففي الحساب العسكري تبقى الأرض شاهدا على حقيقة الموقف؛ وما يفقد عليها لا تستعيده الصواريخ والمسيرات، ولا تحجبه محاولات صرف الأنظار، وتبقى الحقيقة الأهم في الميدان: من يحتفظ بالأرض الحاكمة ويحافظ على المبادأة، هو من يفرض على خصمه إعادة حساباته .*

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.