من شيم أصحاب العزائم .

من شيم أصحاب العزائم .
رؤية تحليلية .
الأحد الموافق ( 13 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
{ في قراءات التاريخ الإنساني قد يعين حلفاء دولة صديقة أو شقيقة ويمدونها بالدعم عند المتطلب وهو موضع تقدير ومصلحة مشتركة لكن كل دولة تبقى أعرف بموضع حاجتها وأدرى بمصالحها ومحاذيرها وهي في نهاية الأمر من يتحمل مسؤولية أمنها ومقدراتها وحماية كيانها . }
تكشف قراءات التاريخ الإنساني أن التحالفات والشراكات الثنائية والمشتركة كانت ولا تزال من أهم أدوات بناء القوة وحماية المصالح وتحقيق التوازن ومواجهة التحديات . فالثقة بين الحلفاء لا تبنى في لحظة عابرة وإنما تتراكم عبر المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة والتجارب والتنسيق السياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري والأمني والتقني وغيرها من مجالات التعاون التي تعزز قوة العلاقة واستدامتها .
والاعتماد على القدرة الوطنية لا يتعارض مع الثقة بحليف أو شريك بل يكملها؛ فكلما كانت أطراف التحالف قوية وقادرة وموثوقة أصبح التحالف أكثر تماسكا وفاعلية وأقدر على تحقيق أهدافه .
استراتيجيا… القرار والتحالف .
تبدأ قوة أي دولة من وضوح مصالحها ومعرفة متطلباتها وامتلاك أدوات تمنح قيادتها حرية اتخاذ القرار وتزداد هذه القوة عندما تستند إلى حلفاء وشركاء موثوقين تجمعهم مصالح والتزامات متبادلة .
وسواء كان التعاون ثنائيا بين دولتين أو ضمن تحالف مشترك يجمع عددا من الدول فإن قيمته الاستراتيجية تظهر في توسيع خيارات أطرافه وتعزيز الردع وتقاسم الأعباء وتكامل القدرات ومواجهة تحديات قد تتجاوز آثارها قدرة طرف منفرد .
عملياتيا… تكامل القدرات .
تظهر أهمية التحالف في المستوى العملياتي عندما تتحول الثقة السياسية إلى تنسيق عملي يشمل تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتدريب والتخطيط المشترك والإسناد اللوجستي والتقني والتعاون في حماية المصالح والمقدرات .
وهنا لا تحل قدرة حليف محل قدرة شريك وإنما ( تتكامل القدرات لتصبح القوة المشتركة أكبر من مجموع عناصرها منفردة ) .
تكتيكيا… الجاهزية والثقة .
تتحول الاستراتيجية والتحالفات في الميدان إلى جاهزية وتنسيق وسرعة تبادل معلومات وقدرة على العمل المشترك . وكلما ازدادت معرفة الأطراف المتحالفة ببعضها وتكررت تدريباتها وتطورت إجراءات التنسيق بينها أصبحت الثقة السياسية أكثر قابلية للتحول إلى فاعلية ميدانية عند المتطلب .
ولهذا تبدأ قوة التحالف بالثقة وتنضج بالتخطيط والتدريب وتثبت قيمتها بالقدرة على العمل المشترك .
القوة الوطنية والتحالف الموثوق .
دولة قوية لا تستغني عن حلفائها وحلفاء موثوقون لا ينتقصون من استقلال قرارها بل يضيفون إليه عمقا استراتيجيا وخيارات أوسع . وبالمقابل فإن امتلاك قدرة وطنية راسخة يجعلها هي الأخرى حليفا أكثر قيمة وموثوقية للآخرين .
فالتحالف الحقيقي شراكة بين إرادات وقدرات ومصالح تتكامل عند المتطلب وتتعاون في السلم والأزمات وتتعاضد في مواجهة التحديات المشتركة .
الخلاصة الاستراتيجية .
من شيم أصحاب العزائم تحمل المسؤولية والثقة بالقدرة ومن شيم الدول القوية أن تبني قدراتها وتثق بحلفائها وشركائها وتحافظ على تحالفاتها الثنائية والمشتركة وتعمل باستمرار على تعزيز قوتها وتماسكها .
فاستراتيجيا تمتلك دولة قرارها وتحالفاتها وعملياتيا تحقق تكامل قدراتها مع شركائها وتكتيكيا تبني جاهزيتها للعمل معهم؛ وبذلك ( لا تصبح القدرة الوطنية بديلا عن التحالف ولا يصبح التحالف بديلا عن القدرة الوطنية ) بل يجتمعان في معادلة واحدة قوامها الثقة والتكامل والمسؤولية المشتركة . ولعل ما استقر في فكر كبار الفلاسفة والمفكرين من أن قوة الجماعة تبدأ بقوة أفرادها وأن الاتحاد يضاعف القدرة يلخص جوهر هذه المعادلة؛ ( فالقوة الذاتية لا تضعف التحالف بل تقويه والتحالف الموثوق لا ينتقص من القدرة بل يضاعف أثرها ) . وهنا يتجاوز معنى القول حدود الفرد ليصبح جديرا بالتأمل في حياة الدول أيضا؛ «ما حك جلدك مثل ظفرك» .
