رجل لا يصفق

إلى من لا يهمه الأمر 10

إلى من لا يهمه الأمر

رجل لا يصفق 

كنت أقود في الشارع الواقع شمال برج جدة.. فظهرت أمامي لوحة مثلثة تحذر من مرور المشاة. مفهوم. بعد أمتار قليلة ظهرت لوحة أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة، واستمر التحذير حتى بلغ العدد ست أو سبع لوحات في مسافة قصيرة. للحظة راودني شك في قدرتي على الفهم. يبدو أن اللوحة الأولى لم تثق بي، فاستدعت صديقاتها للتأكيد.
المشهد يضحك أولا، ثم يدفع إلى سؤال أكثر جدية: كيف تمر بعض الأعمال بمراحل الاعتماد والتنفيذ والاستلام، ثم تظهر في صورتها النهائية وكأن أحدا لم ينظر إليها كاملة؟
قد يكون لتكرار اللوحات تفسير فني يعرفه المختصون، وهذا وارد. القضية هنا أوسع من عدد اللوحات نفسها. السؤال: من يراجع الأعمل بعد أن ينتهي الجميع من أداء مهامهم؟
أحيانا تكون كل خطوة صحيحة وحدها. المخطط معتمد، والتنفيذ تم، والتوقيع موجود، وكل طرف أنجز الجزء المطلوب منه. ثم تجتمع هذه الأجزاء في النهاية، فتخرج النتيجة على الأرض بصورة تستحق التوقف.
هنا تظهر مشكلة لا تحلها كثرة التواقيع: غياب عين ترى العمل كاملا.
فالورق يستطيع أن يثبت أن المهمة نُفذت، وأن اللوحة وُضعت في مكانها، وأن الإجراء اكتمل. أما الشارع، فيكشف شيئا آخر: هل تبدو النتيجة منطقية حين يراها الناس؟
المدينة في النهاية لا تعيش داخل الملفات. صورتها تتكوّن من هذه التفاصيل الصغيرة؛ رصيف، إشارة، حاجز، لوحة، مسار مشاة. وكل تفصيل منها يقول شيئا عن مقدار العناية التي سبقت ظهوره. وقد تكون هناك حاجة فعلية إلى أكثر من لوحة حفاظا على السلامة، وهذا يقدره المختص. لكن حين يصبح تكرار التحذير نفسه هو أول ما يلفت النظر، فمن الطبيعي أن نسأل إن كان المشهد قد خضع لمراجعة نهائية.
أحيانا تكون المشكلة أن الجميع راجع ما يخصه، ولم يراجع أحد ما يراه الناس.
وفي مرحلة ما من كل عمل، نحتاج إلى شخص يرفع رأسه من الورقة، وينظر إلى الشارع.

ناقد صحفي 

رجل لا يصفق

ناقد صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.