إلى من لا يهمه الأمر 2

إلى من لا يهمه الأمر
ذهبتُ ذات يوم لإنجاز معاملة تخص ابني المتوحد. لم أكن أطلب معجزة إدارية، ولا واسطة فوق النظام، ولا استنفارا رسميا، كل ما في الأمر ورقة تحتاج إلى ختم، والختم يحتاج إلى يد واليد تحتاج إلى حد أدنى من أدب التعامل. استقبلني أحد الموظفين بملامح متجهمة وصوت يخرج متثاقلا من زاوية فمه، كأن الحديث مع المراجعين عقوبة يومية يؤديها على مضض. وهنا يبرز السؤال الذي تخشاه بعض الإدارات: متى تحولت الوظيفة العامة إلى ساحة لتفريغ المزاج الشخصي؟
الناس لا يقصدون الدوائر الحكومية وهم في أوقات رخائهم الكامل. أحدهم يحمل قلقا على ابن، وآخر يتابع معاملة تعطلت منذ أسابيع، وثالث جاء وفي داخله ما يكفيه من التعب. لذلك تصبح الكلمة داخل تلك المكاتب أكثر من مجرد إجراء وظيفي.. فهي قد تمنح المراجع شعورا بالطمأنينة وقد تضيف إلى يومه ثقلا جديدا لم يكن ينقصه.
قد يتعذر البعض قائلا: “الموظف بشر ولديه ظروف ومشاكل”. وهذه حقيقة يعرفها الجميع، فالحياة لا توزع الراحة بالتساوي على أحد. الإنسان المهني يتقن الفصل بين حياته الخاصة وموقعه الوظيفي، فيخلع انفعالاته الشخصية عند باب العمل كما يخلع ثيابه المنزلية، ثم يدخل إلى مكتبه بوجه يليق بمؤسسة يمثلها أمام الناس.
وثمة من يظن أن الجفاء نوع من الهيبة، مع أن الهيبة الحقيقية تظهر في القدرة على ضبط الانفعال، وفي احترام الإنسان حتى أثناء الضغط والتعب. فالموظف الذي يتحدث بأدب لا يفقد مكانته، والذي يصغي للمراجع لا تنتقص كرامته، والذي يشرح بهدوء لا يبدو ضعيفا كما يتوهم البعض.
أعتقد أن بعض المؤسسات بحاجة ماسة إلى إدراج مسار تدريبي مكثف يُعنى بـ “أخلاق الوظيفة العامة”. مسار لا يركز على اللوائح الجامدة وحدها، ويهتم بملامح الوجه، ونبرة الصوت وأسلوب الرد، وفن الإصغاء. فالموظف في نهاية المطاف لا يمثل شخصه فقط، هو يمثل صورة الجهة التي يعمل تحت اسمها.
المشكلة أن بعض الناس ما زال يظن أن الأخلاق تفصيل ثانوي في بيئة العمل، مع أن الواقع يقول شيئا مختلفا تماما. فالمراجع قد ينسى رقم معاملته، وقد ينسى عدد الساعات التي انتظرها، ولكنه يتذكر طويلا ذلك الموظف الذي احترم إنسانيته، أو ذلك الذي جعله يشعر أنه عبء ثقيل يريد الجميع التخلص منه.
رجل لا يصفق