ذاكرة تسكن الجدران..

ذاكرة تسكن الجدران..
ليست البيوت خرائط من إسمنتٍ وحجارة، ولا نوافذ تُطل على الشوارع فحسب، بل هي الذاكرة الأولى للإنسان، والمكان الذي تتشكل فيه ملامح روحه قبل أن يتعرف إلى العالم. كل بيتٍ جميل يحمل في داخله حياةً كاملة، حتى وإن بدا بسيطًا في عيون الآخرين.
كلما تقدم بنا العمر، اكتشفنا أن أجمل البيوت لم تكن تلك التي ازدانت بالأثاث الفاخر، بل تلك التي ازدانت بالألفة. كان دفء الأم يسبق دفء المواقد، وكان حضور الأب يملأ المكان هيبةً وطمأنينة. وكانت الضحكات تتنقل بين الغرف دون استئذان، لتصنع موسيقى لا تزال تتردد في الذاكرة، مهما ابتعدت السنوات.
في بيوت الطفولة لم نتعلم القراءة والكتابة فقط، بل تعلمنا كيف نكون بشرًا. تعلمنا أن الاحترام يبدأ من طريقة حديثنا مع من نحب، وأن الكلمة الطيبة قادرة على إصلاح ما تعجز عنه الأشياء، وأن المائدة التي تجمع العائلة كل مساء كانت درسًا صامتًا في معنى المشاركة والانتماء.
كانت البيوت آنذاك تُربي قبل أن تُؤوي. تُعلمنا الصبر حين لا نحصل على كل ما نريد، والامتنان لما نملك، والرحمة بالضعيف، واحترام الكبير، والمحبة التي لا تنتظر مقابلًا. كانت التفاصيل الصغيرة، التي ربما لم نلتفت إليها يومًا، هي التي صنعت في داخلنا إنسانًا يعرف قيمة الأسرة والوطن والناس.
واليوم، وبينما تتسارع الحياة وتتغير أشكال المنازل، يبقى السؤال: هل ما زالت البيوت تصنع الذكريات ذاتها؟ أم أننا انشغلنا بتجميل الجدران حتى نسينا أن نجمل العلاقات؟ فالبيت الحقيقي ليس ما تحيط به الأسوار، بل ما يجمع القلوب على المودة، ويمنح ساكنيه شعورًا دائمًا بالأمان.
إن أكثر ما نفتقده ليس بيت الطفولة نفسه، بل الإنسان الذي كنا عليه ونحن نعيش فيه. ذلك الطفل الذي كان يفرح بأبسط الأشياء، ويجد العالم كاملًا في حضن أمه، ويظن أن صوت الباب عند عودة الأب هو أجمل موسيقى المساء.
ولهذا، تبقى البيوت الجميلة هي تلك التي تترك أثرًا لا يزول. فإذا غابت الجدران، بقيت الذكريات. وإذا رحل الزمن، بقيت القيم. وإذا تبدلت العناوين، ظل بيت الطفولة عنوانًا أبديًا في القلب، لا تغلق أبوابه الأيام، ولا تمحو تفاصيله المسافات.
هيا سالم الكريديس