كلُّ ليلةٍ لي مع الله خلوة…

كلُّ ليلةٍ لي مع الله خلوة…
هيا الكريديس
في نهاية كل يوم، حين تخفت الأصوات ويستكين العالم إلى سكونه، يبقى للروح موعد لا يؤجَّل؛ موعد لا يحتاج إلى دعوة ولا إلى ترتيب، بل يحتاج إلى قلبٍ يبحث عن الطمأنينة. هناك، في هدوء الليل، تبدأ خلوة الإنسان مع ربه، حيث لا أقنعة ولا مجاملات، وإنما حديث صادق بين العبد وخالقه.
الخلوة مع الله ليست انقطاعًا عن الحياة، بل هي عودة إليها بقلب أكثر اتزانًا ونفس أكثر صفاءً. ففي تلك اللحظات يدرك الإنسان أن ما أثقله طوال النهار يصبح أهون حين يرفعه إلى السماء بالدعاء، وأن ما عجز عن فهمه قد يجد له تفسيرًا في اليقين بحكمة الله ورحمته.
الليل يحمل خصوصية لا تضاهيها ساعات النهار؛ ففي سكونه تنطفئ ضوضاء العالم، وتعلو همسات الإيمان. يراجع الإنسان نفسه، ويحاسبها برفق، ويستغفر عن زلاته، ويحمد الله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى. إنها لحظات تُبنى فيها العلاقة الحقيقية بين العبد وربه، بعيدًا عن أنظار الناس، حيث يكون الإخلاص أصدق، والدعاء أقرب إلى القلب.
ولا يشترط في هذه الخلوة طول القيام أو كثرة الكلمات، فقد تكون ركعتين بخشوع، أو آيات تُتلى بتدبر، أو دعوة صادقة تخرج من قلبٍ أنهكته الحياة. فالله سبحانه لا ينظر إلى كثرة العمل بقدر ما ينظر إلى صدق النية وحضور القلب.
إن الإنسان في خضم انشغالاته قد يظن أن راحته في امتلاك المزيد، أو في الوصول إلى أهدافه، لكنه يكتشف مع مرور الأيام أن السكينة الحقيقية لا تُشترى، ولا تُنال إلا بالقرب من الله. فمن عرف باب الله، عرف أن كل أبواب الدنيا تبقى أضيق من أن تحتوي قلبًا يبحث عن السلام.
ولعل أجمل ما تمنحه خلوة الليل أنها تجدد الأمل. فهي تذكّرنا بأن بعد العسر يسرًا، وأن الدعاء لا يضيع، وأن الله يسمع الهمسة كما يسمع الدعاء الجهر، ويعلم ما تخفيه الصدور قبل أن تنطق به الألسنة.
فلنجعل لنا في كل ليلة موعدًا ثابتًا مع الله، ولو لدقائق معدودة؛ نذكره فيها، ونشكره، ونستغفره، ونسأله الثبات والهداية. فكم من قلبٍ أحياه الدعاء، وكم من همٍّ أزاله اليقين، وكم من نفسٍ وجدت في خلوة الليل مع الله حياةً جديدة لا تمنحها الدنيا بكل ما فيها.
كاتبة رأي