كُتاب الرأي

ساعةُ الصِّفر

ساعةُ الصِّفر

سلطان عيد المرشدي 

في كل مرة تعصف بنا رياح عاتية، وتمر على هذه البلاد سحابة ثقيلة من الأحداث، يُخيّل إلينا أن ساعة الصفر قد حانت، وأن خيامنا ستُقتلع، وأن شملنا سيتفرق، وأن الوطن الذي استقر شامخًا في وجدان أبنائه قد تهب عليه عواصف لا تُبقي ولا تذر. غير أن التاريخ، كلما قلبنا صفحاته، يخبرنا بحقيقة واحدة لا تتغير أن هذه البلاد مرت بعواصف أشد، وواجهت محنًا أعظم، ثم خرجت منها أكثر قوة وتماسكًا، وبقيت السعودية. كثير من أبناء الجيل الحالي لا يعرفون تفاصيل الأحداث التي عصفت بهذه البلاد منذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز -رحمه الله- ورجاله المخلصين من أبناء هذه الأرض، ولا يعرفون كم مرة حاولت الفتن أن تجد لها موطئ قدم، وكم مرة امتدت الأيدي من خارج الحدود أو من داخلها لتنال من أمن هذه البلاد واستقرارها. ولعل من أشد تلك الأحداث وقعًا حادثة احتلال المسجد الحرام على يد جماعة من الخوارج والبغاة، حين عُطّلت الصلاة والطواف في أطهر بقاع الأرض، وتحول الحرم الآمن إلى ساحة خوف وفوضى. لكن الله أذن أن تنتهي تلك الفتنة، وتمكن رجال الأمن والقادة والجنود الأبطال من تحرير بيت الله الحرام، وعادت الحياة إلى الحرم وكأن شيئًا لم يكن، ومات دعاة الفتنة وبقيت السعودية ، وهنا أقف عند موقف إنساني لا أريد أن أَمُرّ عليه مرورًا عابرًا فقد استمعت في لقاء مصور قبل أيام معدودة إلى أحد أبناء جهيمان -قائد تلك الجماعة- وهو يتحدث عن لقائه بالملك سلمان بن عبد العزيز عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض، فأخبره بأنه ابن جهيمان، فاستقبله الملك سلمان استقبال الأب لابنه، وقال له: إن ما فعله والدك لا علاقة لك به ، وأوصى بإدخاله إحدى الكليات العسكرية. ذلك الموقف، بعيدًا عن تفاصيل الحدث نفسه، يكشف جانبًا من نهج الدولة في التعامل مع أبنائها، حيث لا يُحمَّل إنسان ذنبًا لم يرتكبه، ولا يُعاقَب الابن بجريمة أبيه، ويبقى الوطن أوسع من أخطاء أفراده.

ثم توالت العواصف، وتبدلت الوجوه والأسماء، وبقي الهدف واحدًا النيل من هذه البلاد. وعندما تولى الخميني الحكم في إيران ولا أقول “آية الله” لأن الانتساب إلى جلال الله وأخذ هذه الصفة لغير مستحقها إثم عظيم بحق كل شيء في الوجود ، بدأت مرحلة أخرى من التوتر والعداء، ورفعت شعارات البراءة من المشركين، بينما كانت أفعالها تتجه نحو زعزعة أمن الحجاج والحرمين الشريفين، ووقعت مظاهرات وتفجيرات وأعمال قتل استهدفت أمن المملكة وحجاج بيت الله الحرام. تكررت المحاولات، لكن بفضل الله أولًا ثم يقظة القيادة ورجال الأمن أُفشلت كثير من المخططات، فذهب الخميني وبقيت السعودية . ثم جاءت حرب الخليج، حين غزا صدام حسين دولة الكويت الشقيقة، ودخلت المنطقة في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا. تحملت المملكة أعباء عسكرية واقتصادية وأمنية هائلة، وبلغت الصواريخ بعض مدنها، تلك الصواريخ التي كنا نظن يومًا أنها ستُوجَّه إلى أعداء الأمة، فإذا بها تتساقط على أرض عربية، ويصفق لها بعض الخونة في أماكن أخرى. ومع ذلك مرّت العاصفة، وذهب صدام حسين، وبقيت السعودية.

وما إن خفّ صوت تلك العاصفة حتى خرجت عاصفة أخرى أكثر ظلامًا، تمثلت في تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، الذي بدأ في أفغانستان بصورة مختلفة في نظر كثيرين، ثم انقلب على وطنه وأمته، وتحولت أفكاره إلى نار أحرقت الأبرياء، وطالت المجمعات السكنية وقتلت الآمنين، ووصل الأمر إلى استهداف رجال الأمن وقطع الرؤوس وإرهاب الناس. وغُرّر بعدد من أبناء الأمة ومن أبناء هذه البلاد، حتى تحولت البنادق التي كان يُفترض أن تتجه إلى أعداء الأمة إلى صدور أبناء الوطن. ومع ذلك انطفأت تلك النار، ومات بن لادن، وبقيت السعودية.

ومابرحت نيران الشر تستعر حتى ظهر شرار الخلق أولئك الذين خرجوا إلى دول أخرى تحت شعارات الإصلاح وتغيير الأنظمة، ورفعوا عناوين الأمن والرخاء والعيش الكريم، بينما كانت بعض ممارساتهم تنتهي إلى الفوضى والدمار وتمزيق الأوطان، ولم يكونوا إلا فصلًا آخر من فصول العبث السياسي الذي شهدته المنطقة، يتحينون الفرص للعودة على ظهور دبابات المحتلين لاحتلال أوطانهم، فتلاشت أصواتهم وبقيت السعودية. ثم جاء معمر القذافي، الذي عادى المملكة وسعى وفق ما نُسب إليه إلى التخطيط لتقسيمها وإضعافها، فكانت نهايته درسًا آخر في تقلب الدنيا على أهلها فذهب القذافي، وبقيت السعودية ، ولم تنتهِ الحكاية فقد ظهرت “داعش”، ذلك التنظيم الذي ارتكب من الجرائم ما لا يمكن أن يبرره دين ولا عقل، فقتل المسلمين، وخرب الممتلكات، وأشعل الحرائق في أكثر من بلد، واستقطب بعض صغار السن والجهلة بالشعارات الدينية، وحولهم إلى وقود لحرب لا تخدم إلا أعداء الأمة. أرادوا أن يجعلوا من أبناء المسلمين أدوات لقتل المسلمين، وأن يحولوا الدين إلى راية للخراب فقد رضعوا من ثدي المجوس وكانوا تحت أعينهم وبرعايتهم، لكن تلك النار أطفأها الله، وذهبت داعش وبقيت السعودية.

وفي الجنوب العربي ظهر خنجر آخر، هو الحوثي، الذي وجد في الدعم الإيراني سندًا مكنه من امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف المملكة. يرفع شعارات الموت لأمريكا والموت لإسرائيل ، ثم تتجه صواريخه نحو المدن السعودية، حتى وصل به الأمر إلى إطلاق صواريخه تجاه مكة المكرمة قبلة المسلمين ومأوى أفئدتهم ، وكأن الجغرافيا اختلطت عليه، أو كأن المملكة أصبحت تل أبيب في خارطته المريضة! ومع ذلك ظلت المملكة تدافع عن حدودها وأمنها، وتواجه الاعتداءات بحزم، وسيبقى التاريخ شاهدًا على أن المشاريع التي تقوم على الدم والفوضى لا يمكن أن تنتصر على وطن يعرف معنى البقاء، وسيذهب الحوثي وتبقى السعودية.

أنا هنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل كل حدث، ولا أن أعيد سرد التاريخ بكل تشعباته، وإنما أستحضر بعض محطاته لأقول إن السعودية لم تكن يومًا بمنأى عن المؤامرات والمحن والاعتداءات، وإن الذين ظنوا أن العاصفة ستقتلعها في كل مرة كانوا ينسون شيئًا واحدًا أن الأوطان لا تُقاس بما يمر عليها من عواصف، وإنما بما حباها الله من قدرة على الوقوف ضدها وتجاوزها.

لم تعتدِ السعودية على مر التاريخ على أحد، فلم يكن عداء الآخرين لها انتصارًا لمظلمة لهم أو دفاعًا عن حقوقهم، بل كان عداؤهم كونها تملك أرضًا واسعة وثروات عظيمة، وكونها مهبط الوحي، وقبلة المسلمين، ومأوى أفئدتهم، ولأنها قامت على أرض احتضنت أعظم المقدسات الإسلامية. ولهذا ظلت مطمعًا لكل مشروع يريد أن يمد نفوذه، أو يحجم دورها ونفوذها في العالم الإسلامي، أو يفرض أجندته، أو يبعثر المنطقة ويعيد رسم خرائطها على حساب أمنها واستقرارها.

ذهب أشخاص، وسقطت أنظمة، وانطفأت جماعات، وتبدلت مشاريع، وتغيرت خرائط، وبقيت السعودية.

كاتب رأي 

المستشار سلطان عيد المرشدي

مستشار اسري ، صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ،عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل الحر كاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ،عضو مجتمع المواهب السعوديين ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.