الركن الرياضي

كأس الخليج.. فرحة لا تنكرها، لكن ماذا بعد

كأس الخليج.. فرحة لا تنكرها، لكن ماذا بعد

بدر بن سالم 

أبارك لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، وسمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، وسمو وزير الرياضة، وللجماهير السعودية، ولمنتخبنا الوطني، هذا الإنجاز الجميل بتحقيق كأس الخليج.
وأبارك لكل لاعب حمل قميص الوطن، ولكل إداري ومدرب وعامل خلف الكواليس، ولكل نادٍ أسهم في إعداد لاعبينا.
حين أرى قائد المنتخب محمد العويس يحمل الكأس، ما فكرت بالكأس وحدها.
تذكرت تاريخًا طويلًا من الانتظار.
وتذكرت أجيالًا حملت القميص قبل هذا الجيل، ونجومًا صنعت للكرة السعودية اسمها ومكانتها؛ من ماجد عبدالله، ويوسف الثنيان، وصالح النعيمة، وصالح خليفة، وفؤاد أنور، وسامي الجابر، وغيرهم من النجوم الذين لا تكفي الكلمات لذكر فضلهم على المنتخب.
فالمنتخب السعودي ما بدأ اليوم.
وهذه الكأس ليست أول حكاية لنا مع كأس الخليج.
بدأت مشاركتنا منذ النسخة الأولى عام 1970، وانتظر المنتخب السعودي حتى عام 1994 ليحقق لقبه الأول، ثم عاد وحقق اللقب في 2002 و2003-2004.
ثم طال الانتظار.
اثنان وعشرون عامًا مضت منذ آخر لقب في كأس الخليج، حتى جاء هذا الجيل وأعاد الكأس إلى خزائن الوطن.
ومن هنا أقول للاعبين: افرحوا، فهذا حقكم.
واحتفلوا، فهذا إنجاز يستحق الفرح.
لكن لا تجعلوا الفرح نهاية الطريق.
فالإنجاز الحقيقي ليس أن تحمل الكأس، لكن أن تعرف ماذا ستفعل بعد ما تضعها مكانها بين البطولات الغالية علينا كسعوديين.
هنا يأتي العمل بصمت.
المنتخبات ما تُبنى بالضجيج، ولا تصنعها بطولة واحدة، ولا يختصر تاريخها في مباراة.
خلال السنوات الماضية تعاقب على المنتخب السعودي عدد من المدربين، بعضهم يحمل أسماء عالمية وخبرات كبيرة، وكان لكل مدرب طريقته ورؤيته وظروفه.
ولست هنا لأحمل مدربًا بعينه مسؤولية سنوات كاملة.
فاللاعب بشر، والمدرب بشر، والجمهور بشر.
والمنظومة كلها تتأثر بالضغط والنجاح والإخفاق.
لكن اللاعب السعودي يعيش اليوم مرحلة مختلفة.
الأندية أصبحت أقوى، والمنافسة أعلى، والضجيج الإعلامي أكبر، والجماهير أكثر حضورًا، ومنصات التواصل لا تمنح اللاعب فرصة كبيرة للخطأ.
كل ذلك ممكن أن يكون قوة إذا عرفنا كيف نديره، وممكن أن يتحول إلى ضغط يشتت اللاعب إذا لم نحسن التعامل معه.
ولهذا فإن تطوير اللاعب السعودي ما يتوقف عند موهبته.
الموهبة تحتاج بيئة، والبيئة تحتاج عملًا، والعمل يحتاج صبرًا.
وهنا أرى جانبًا مهمًا في تجربة المدرب اليوناني دونيس.
دونيس ليس غريبًا عن الكرة السعودية.
سبق أن عمل في نادي الهلال، ثم عاد إلى السعودية مع نادي الوحدة ثم نادي الفتح ثم الخليج، وعرف اللاعب السعودي عن قرب، وفهم طبيعة المنافسة والضغط الجماهيري.
ولذلك، تعيينه ما كان مجرد اختيار اسم مدرب، بل اختيار رجل يعرف المكان الذي يعمل فيه. وهذا اختيار يُسجل لصانع القرار في الاتحاد السعودي.
والمدرب الذي يحب عمله، ويحترم البلد الذي يعمل فيه، ويحاول أن يفهم لاعبيه وثقافتهم، يستطيع أن يبني علاقة مختلفة مع الفريق.
ولعل أجمل ما ظهر في كأس الخليج هو طريقة تعامله مع اللاعبين:
التدوير.
عدم إرهاق المجموعة نفسها، والمحافظة على المخزون اللياقي، ومنح أكثر من لاعب فرصة ليشعر أنه جزء من المشروع.
وهنا تكمن إحدى مهارات المدرب التي أحيانًا ما يلاحظها الجمهور بسهولة.
أحيانًا المسألة ما تكون في أفضل أحد عشر لاعبًا، بل في متى تستخدمهم، ومتى تريحهم، ومتى تمنح البديل ثقتك.
كرة القدم أحيانًا قراءة للإنسان قبل أن تكون خطة على ورق.
وأمامنا اليوم فرصة أكبر من كأس الخليج.
كأس آسيا على أرض المملكة قادمة، وبعدها ينتظرنا المعترك العالمي.
ولهذا ما ينبغي أن تكون كأس الخليج نهاية المشروع، بل بدايته.
نريد لاعبين سعوديين يعكسون التطور بالدوري السعودي، ولا يكون اللاعب الأجنبي سببًا في إبعاد ابن بلدنا عن المنافسة، لكن الأهم أن ننتج لاعبًا سعوديًا قويًا، قادرًا على المنافسة والاستمرار وتحمل الضغط.
ونحتاج إلى أكاديميات وفئات سنية تخرج أجيالًا متعاقبة؛ لأن أخطر ما يواجه أي منظومة رياضية هو الاعتماد على جيل واحد.
النجوم يرحلون، والأعمار تمضي، والكرة لا تنتظر أحدًا.
يجب أن يكون التجدد مستمرًا.
جيل يسلم الراية لجيل.
والموهبة تجد من يكتشفها ويصقلها.
والمدرب يجد منظومة تساعده.
والنادي يدرك أن نجاحه لا ينفصل عن نجاح المنتخب.
ومن هنا يأتي شكري للأندية السعودية، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من هذا التطور، وما تقدمه من عمل وتطوير للاعب السعودي.
والشكر كذلك لكل من يعمل بصمت، فهناك أشخاص لا تظهر أسماؤهم عند رفع الكأس، لكن أثرهم موجود في الطريق الذي أوصل إليها.
ومنهم فهد المفرج، الذي عرفناه بالعمل بعيدًا عن الضجيج، وله تجربة وإنجازات في الهلال، وجهد يستحق التقدير.
كما أشكر سمو وزير الرياضة الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل على طموحه الذي لا يتوقف عند كرة القدم فقط، بل يمتد إلى الشباب السعودي والرياضة السعودية ومستقبلها.
فالعمل الكبير ما يصنعه شخص واحد.
ولا بطولة واحدة.
ولا موسم واحد.
إنه تراكم سنوات.
ولهذا علينا ألا نستعجل الثمرة.
قد نرى اليوم كأسًا في يد لاعب، لكن خلف هذه الكأس سنوات من العمل، وتضحيات، وأخطاء، وتصحيح، وتطوير.
ونحن كسعوديين يجب أن نؤمن بلاعبينا.
لكن الإيمان وحده ما يكفي.
علينا أن نطورهم، ونعطيهم البيئة المناسبة، ونصبر على المشروع، وندرك أن بناء منتخب ينافس في آسيا والعالم لا يحدث بين ليلة وضحاها.
كأس الخليج فرحة.
فلنفرح.
لكن لا نتلذذ بالإنجاز حتى ننسى ما بعده.
ولا نجعل الكأس تخدعنا بأن الطريق انتهى.
فالطريق الحقيقي يبدأ بعد الكأس.
شكرًا لهذا الجيل لأنه أعاد الكأس بعد اثنين وعشرين عامًا.
والآن…
ضعوها في مكانها، وابدؤوا العمل من جديد.
فالمجد لا يحفظه الاحتفال.
المجد يحفظه العمل، والعمل الحقيقي غالبًا يحدث بصمت.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.