كُتاب الرأينحن طويق
هموم الكاتب

هموم الكاتب
حين يكون المرعى أخضر والعنز مريضة
بدر بن سالم
حين كتبت نص «غربه الفكر »، كنت أعرضه عادةً على عدد من الأشخاص الذين أفخر بآرائهم ومكانتهم الأدبية، وكان من بين تنويهاتهم ما دفعني إلى التفكير في كتابة نص آخر يوازيه في الفكرة، ويقترب منه في صدق التجربة.
لكن مقطعًا صوتيًا لأستاذي وأخي الأديب العُماني حمد المجرفي استوقفني، حين تحدث عن الفارق بين واقع الكاتب في الغرب وواقع الأديب عندنا؛ ففي الغرب يُحتفى بصانع الثقافة، وتُقدَّر كلماته، ويُمنح حضوره ما يستحقه من تبجيل، بينما يصطدم بعض أدبائنا بالأحقاد، ونبش خبايا النصوص، ومحاولات تشويه السمعة، وكأن الكاتب مطالب بالدفاع عن نفسه أكثر من انشغاله برسالته.
إن الأديب حين يكتب لا ينتظر تصفيقًا عند كل سطر، ولا يبحث عن مديح يرفع من شأنه، وإنما يحمل رسالة يرجو أن تعود بالنفع على القارئ. ومع ذلك، قد يجد نفسه في مواجهة أحكام شخصية ومعارك جانبية لا علاقة لها بجوهر ما يكتب.
وقد تمنيت أن أرى أستاذي حمد المجرفي في معرض الكتاب القادم، لما يجمعنا من تقدير للكلمة وأهلها، ولأن اللقاء بالأدباء ليس مجرد مناسبة عابرة، بل فرصة لتبادل الخبرات وإحياء الروابط الثقافية.
ثم جاءت تنويهات الأديبة الأستاذة ابتسام التويجري، وحديثها بحرقة عن واقع الكاتب، وما أشارت إليه من أن الأديب لا يساعد نفسه أحيانًا في الاستفادة من تطبيقات التواصل الاجتماعي، فاستوقفتني المسألة من زاوية أخرى.
وللإنصاف، فإن الأستاذة ابتسام التويجري ليست ممن يكتفون بتشخيص واقع الكاتب، بل تتقدم بالأفكار والمبادرات التي تفتح أمامه آفاقًا جديدة. ومن ذلك مبادرتها في معرض الكتاب، المتمثلة في «جواز الكاتب»، الذي يتيح له التنقل بين معارض الكتاب حول العالم، في فكرة تحمل طموحًا ثقافيًا يتجاوز حدود المكان، وتمنح الكاتب فرصة أوسع للحضور والتواصل مع المشهد الأدبي الدولي.
إن مثل هذه المبادرات تستحق الإشادة؛ لأنها لا تكتفي بالحديث عن العقبات، بل تبحث عن وسائل لتجاوزها. والأديبة ابتسام التويجري ثروة وطنية بما تقدمه من أفكار وجهود في خدمة الثقافة والأدب، وجديرة بأن تحظى بالتكريم والتتويج والعرفان، تقديرًا لعطائها وسبقها في طرح المبادرات التي تخدم الكاتب وتفتح أمامه أبوابًا جديدة.
فالأوطان لا تنهض بمبدعيها حين تصفق لهم فحسب، بل حين تكرّم أصحاب المبادرات، وتمنح أفكارهم الفرصة لتتحول إلى واقع ينهض بالثقافة ويصنع أثرًا يتجاوز حدود الوطن.
وكم من كاتب وكاتبة أُقيمت لهم أمسية ثقافية، ثم اعتذروا عن الحضور، بينما نجد الكاتب في الغرب حاضرًا في المشهد الثقافي، يشارك في الندوات والأمسيات، وقد تُقام له الفعاليات في الفنادق والمسارح والمنتديات، ويُنظر إلى حضوره بوصفه جزءًا من صناعة الثقافة، لا مجرد ضيف يُستدعى لإكمال عدد المقاعد.
وهنا يبرز السؤال: هل مات القارئ حقًا، أم أننا فقدنا الطريق إليه؟
لقد أشارت الناقدة إلى ضعف حضور الكاتب، وإلى أن السوق أصبح يطلب الأعمال التجارية أكثر من طلبه للمعرفة الأدبية. وهذا يفتح بابًا للتأمل؛ فهل المشكلة في القارئ الذي تغيّرت اهتماماته، أم في الكاتب الذي لم يعد قادرًا على الوصول إليه، أم في سوق ثقافي أصبحت الأرقام فيه تتقدم على القيمة؟
لا أظن أن المسألة تحتمل حكمًا واحدًا. فالتواصل الاجتماعي قد يمنح الكاتب فرصة للوصول إلى آلاف القراء، لكنه قد يحوّل الثقافة أيضًا إلى سباق في المشاهدات والمتابعات. وقد يصبح الرقم دليلًا على الانتشار، لكنه ليس بالضرورة دليلًا على جودة النص أو عمق المعرفة.
كما أن ترجمة الكتاب ونشره في الغرب لا تعني بالضرورة أن جمهوره يقرأه بلا اعتبار للقيمة الأدبية؛ فهناك تجارب نقدية ومؤسسات ثقافية وجوائز لها معاييرها. لكن ما نحتاج إلى تأمله هو كيف استطاعت بعض البيئات الثقافية أن تجعل الكاتب حاضرًا في المجتمع، بينما لا يزال الكاتب عندنا يتساءل عن جدوى حضوره، وعن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه كي يصل إلى قارئه.
إننا نعيش بعثرة في المشهد الأدبي؛ أديب يريد أن يعيش من قلمه، وقارئ يبحث عما يجذبه، وناشر تحكمه تكاليف السوق، ووسائل تواصل تكافئ المحتوى السريع. وبين هذه الأطراف تضيع أحيانًا المسافة التي ينبغي أن تصل المعرفة بالمتلقي.
وليس عيبًا أن يطلب الكاتب دخلًا من كتابته، ولا أن يسعى الناشر إلى الربح، ولا أن يبحث القارئ عن المتعة. إنما الخلل حين يصبح الربح غايةً لا يسبقها اعتبار للقيمة، وحين يُقاس الكاتب بعدد متابعيه لا بما يضيفه إلى الوعي، وحين يتحول الاختلاف الأدبي إلى خصومة شخصية.
وهنا أتذكر العبارة المنسوبة إلى إقبال: «المرعى أخضر، لكن العنز مريضة».
فقد تكون الفرص موجودة، والمنصات متاحة، والمعارض قائمة، والكتب تُطبع وتُترجم، لكن المشكلة قد تكون في طريقة تعاملنا مع هذه الفرص، وفي علاقتنا بالكاتب والقارئ والناشر، وفي تصورنا لمعنى النجاح الثقافي.
فهل أزمتنا أزمة قارئ مات، أم كاتب غاب، أم سوق لم يعد يرى في الأدب إلا ما تبيعه الأرقام؟
ربما آن لنا أن نراجع المشهد بأكمله، بدلًا من أن نحمّل طرفًا واحدًا مسؤولية ما يحدث؛ فالثقافة لا يصنعها الكاتب وحده، ولا يحميها الناشر بمفرده، ولا يحييها القارئ من غير بيئة تقدّر المعرفة.
إنها مسؤولية مشتركة، تبدأ باحترام الكلمة، وتنتهي ببناء مجتمع يجد في الأدب قيمةً تستحق أن تُقرأ، لا سلعةً تستحق أن تُباع فحسب.
