كُتاب الرأي
البيت الذي لم يفهمه

البيت الذي لم يفهمه
بدر بن سالم
تُعدّ الرياض من المدن التي تجمع بين جمال المكان ورفاهية الخدمات ومتعة الاستجمام، ففي بعض شوارعها الشهيرة، حيث تتجاور المقاهي ومحال الحلويات والمطاعم، يجد المرء ملاذًا يهرب إليه من ضجيج الحياة، ولو لساعات.
في أحد تلك الأماكن، جلس رجلان في أواخر الأربعينات، يقتربان من عتبة الخمسين. كانت الأشجار تحيط بمجلسهما، ويتوسط المكان شلال صغير، تتكسر مياهه على الصخور، فتصنع نغمًا هادئًا يريح الأذن من ضوضاء مدينة لا تعرف النوم وتعشق السهر.
كان أحدهما يحتسي القهوة السعودية، ويتناول معها تمرًا محشوًا بالفستق، تتناثر عليه مكسرات مطحونة ممزوجة بالطحينة.
التفت إلى صديقه وقال مبتسمًا:
«مبروك يا أبو مشعل! أخيرًا انتهيت من قرض البيت. ما شاء الله، الله يهنيك فيه».
تنهد أبو مشعل، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن كتفيه، ثم قال:
«الحمد لله. سنوات من الصبر، وحرمت زوجتي من السفر والهدايا وأشياء كثيرة كانت تتمناها. لكن إن شاء الله، أعوضها قريبًا عن كل شيء».
هز صديقه رأسه وقال:
«الأمر كله تكاتف وصبر. البيوت ما تُبنى بالمال وحده، تُبنى بصبر الزوجين وتحمّلهما».
ثم ابتسم وأضاف مازحًا:
«ولا تظن أنها تنتظر وفاتك عشان تستريح من الأقساط!»
ضحك أبو مشعل وقال:
«أم مشعل كل يوم تقول لي: جعل يومي قبل يومك».
ضحك صديقه، لكن نظرته لم تخلُ من الشك، وكأنه لم يقتنع تمامًا بكلامه، ثم قال:
«الله يخليكم لبعض، ولا يفرق بينكم».
افترق الصديقان، واستقل أبو مشعل سيارته متجهًا إلى منزله. وفي الطريق، ظل يستعيد تفاصيل جلستهما؛ فقد كان معظم حديثهما عن المدرب الذي أضاع الفريق، واللاعبين الذين لم يقدموا ما يُنتظر منهم، وأحوال الرياض والناس.
لكن جملة واحدة ظلت تتردد في رأسه:
«أخيرًا انتهيت من قرض البيت».
لقد عاش سنوات طويلة يسدد الأقساط، ويحسب دخله ومصروفاته، ويؤجل رغباته حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه المنزل ملكًا له ولأسرته.
ومع ذلك، باغته سؤال لم يعرف من أين جاء:
هل كانت زوجته تنتظر البيت مثله، أم كانت تنتظر أن يصبح ملكًا لها لتضمن مستقبلها بعد رحيله؟
حاول أن يطرد الفكرة، لكنه وجد نفسه ينسج احتمالات لم تخطر له من قبل. ماذا لو مات قبلها؟ هل ستعيش في المنزل الذي أفنى عمره في تسديد ثمنه، أم ستبيعه وتتزوج رجلًا آخر، وتبدأ معه حياة جديدة، بينما يكبر أبناؤه بعيدًا عن البيت الذي بناه لهم؟
كانت أسئلة ثقيلة لا تستند إلى دليل، لكنها حين تجد طريقها إلى القلب، تجعل الإنسان يشك حتى في أكثر الوجوه ألفة.
وصل إلى منزله في أحد أحياء الرياض الحيوية، حيث تحيط به المراكز التجارية والشوارع الرئيسة. أوقف سيارته، وظل لحظات ينظر إلى واجهة المنزل.
تساءل في نفسه:
«هل كان هذا البيت حلمي وحدي؟ وهل كانت زوجتي تحلم به للسبب نفسه الذي كنت أحلم به من أجله؟»
دخل المنزل، فاستقبلته الخادمة وسألته:
«هل تريد الطعام؟»
أجابها بالنفي، ثم سألها عن زوجته.
قالت:
«ماما عند الجيران».
أومأ برأسه، ودخل غرفته ليبدل ملابسه، ثم عاد وجلس أمام التلفاز. كانت الشاشة تعرض برنامجًا رياضيًا، لكنه لم يكن يتابع ما يجري فيها؛ عيناه على الشاشة، وعقله في مكان آخر.
بعد قليل، سمع صوت الباب، ثم دخلت زوجته أم مشعل، وهي تحمل المبخرة. اقتربت منه ورحبت به، ونثرت حوله رائحة العود التي اعتاد أن يجدها في المنزل كل مساء.
نظرت إليه وقالت:
«وش فيك؟ وجهك شاحب، عسى ما شر؟»
تردد قليلًا، ثم التفت إليها وسألها:
«يا أم مشعل، لو مات واحد منا، وش بيصير بالعيال؟»
توقفت يدها لحظة، ثم وضعت المبخرة جانبًا وجلست بقربه.
قالت بهدوء:
«الله يطول أعمارنا على طاعته. وش جاب هالسؤال؟»
أجاب وهو يتجنب النظر إليها:
«مجرد سؤال. الواحد ما يدري عن عمره».
ابتسمت وقالت:
«صحيح، لكن الأعمار بيد الله. الله يخلينا لبعض، ويشوفنا عيالنا وهم بخير».
لم يجبها.
كان يريد أن يسألها سؤالًا آخر، لكنه خشي أن تكشف نبرة صوته ما يدور في داخله. كيف يسأل المرأة التي شاركته عمره إن كانت ستتزوج بعد وفاته؟ وكيف يواجهها بشكوك لم تفعل شيئًا يستحقها؟
تخيل أنه إذا رحل، فستحصل زوجته على البيت، ثم تتزوج رجلًا آخر، ويصبح المنزل الذي بناه بعرق جبينه مأوى لحياة لا مكان له فيها.
لم ينتبه إلى أن الخوف قد يجعل الإنسان يخلق خصمًا من خياله، ثم يبدأ بمحاكمته على أفعال لم يرتكبها.
مرّت لحظات من الصمت، ثم اقتربت أم مشعل منه، وأسندت يدها إلى كتفه.
قالت:
«يا أبو مشعل، أنت تعرف أني ما أنسى تعبك. أدري كم سنة حرمت نفسك من أشياء كثيرة عشان هالبيت، وأدري أنك كنت تحسب كل ريال، وتقول: يوم نخلص من القرض، نرتاح أنا وأم مشعل».
رفع عينيه إليها.
تابعت كلامها:
«لكن فيه شيء أبي أقوله لك من زمان».
اعتدل في جلسته، وشعر بشيء من القلق.
قالت:
«أنا مسوية وديعة باسمك».
قطب حاجبيه وسألها:
«وديعة؟ وش تقصدين؟»
قالت:
«مبلغ حطيته على جنب، باسمك أنت. لو صار لي شيء، لا سمح الله، يكون عندك ما يعينك على الحياة، ويضمن لك إنك ما تحتاج لأحد. ما أبيك في يوم من الأيام تضيق بك الدنيا، أو تضطر تطلب من أحد».
ظل ينظر إليها، غير مستوعب ما يسمع.
فأكملت:
«وأخذت جزءًا من المبلغ، وخصصته لك هدية، وحجزت لنا سفرة نغير فيها جو، ونعوض بعضًا من السنين اللي تعبنا فيها. بس أبي أستأذنك أول… وين ودك نروح؟»
ساد الصمت.
لقد أمضى الساعات الماضية يتخيل كيف ستتصرف إذا رحل، بينما كانت هي تفكر في كيفية حمايته إذا سبقها القدر.
كانت تخشى عليه من الحاجة، كما كان يخشى عليها من الوحدة.
خفض رأسه، وشعر بوخزة في قلبه. لم يكن الوجع من كلامها، بل من الشكوك التي سمح لنفسه أن يصدقها، ومن الظلم الذي كاد يرتكبه بحق امرأة لم تكن تعلم شيئًا عن معركته الصامتة.
قال بصوت خافت:
«بعد عمر طويل يا روحي».
ابتسمت وقالت:
«آمين، الله يطول بأعمارنا على طاعته».
أمسك يدها، ونظر في عينيها طويلًا، ثم قال:
«كنت أحسب إني أبني لك بيتًا يحميك من بعدي، وما فكرت يومًا إنك كنت تفكرين كيف تحمينني أنتِ أيضًا».
ضحكت أم مشعل وقالت:
«يا حياتي انت ، البيت بيتنا، والتعب تعبنا، والعمر اللي عشنا فيه سوا ما هو ملك واحد منا. وش قيمة البيت إذا ما لقينا فيه بعض؟»
ظل ينظر إليها، وأمسك يدها دون أن يخبرها بما دار في رأسه من شكوك طوال ذلك اليوم.
كان قبل ساعات يخشى أن يصبح البيت يومًا مأوى لرجل آخر، ولم يكن يعلم أن المرأة التي شاركته سنوات التعب كانت تدخر من أجل أن تحميه حتى من غيابها.
أطرق برأسه، ثم رفع عينيه إليها مبتسمًا:
«أجل، وين نسافر يا أم مشعل؟»
فضحكت، وبدأت تحكي له عن المكان الذي اختارته.
أما هو، فظل ينصت إليها، وقد أدرك أن بعض البيوت لا تحتاج إلى مزيد من المال كي تكتمل، بل إلى قلب يعرف قيمة من يسكن معه تحت سقف واحد.

مرورك الأجمل يا ولدي، فالإنسان يكتب لتبقى رسالته ويظل أثرها، والحرف أمانة في عاتق كل كاتب وقاص؛ فالكلمات قد تنتهي من صفحاتها، لكن أثرها يبقى في النفوس.
جعلنا الله من الميسر لهم قبول العمل وبركة الله علينا
ماشا؛ الله قصه مأثره ياأبا سالم