كُتاب الرأينحن طويق
اتركوا الماضي للأجداد

اتركوا الماضي للأجداد
وكونوا رجال الحاضر!
بقلم: د. حمود بن عوض الحيسوني
ليست كل العادات التي ورثناها عن أجدادنا مقدسة، وليست المحافظة على التراث تعني أن نعيش بالطريقة نفسها التي عاشوا بها. فلكل زمن ظروفه ومتطلباته، وما كان مناسبًا في الماضي قد يحتاج اليوم إلى مراجعة وتطوير.
نحن نعتز بأجدادنا، ونحترم ما تركوه لنا من قيم ومواقف مشرفة، لكن الوفاء لهم لا يعني التمسك بكل ممارسة اجتماعية لمجرد أنها موروثة. فالمجتمعات الحية تحافظ على أصالتها، وفي الوقت نفسه تملك الشجاعة للتغيير.
خذوا مثلًا بعض مظاهر الضيافة التي تحولت من سلوك اجتماعي جميل إلى التزام مرهق؛ كصب القهوة للضيف واقفًا، والمبالغة في إعداد الولائم، والاعتقاد بأن إكرام الضيف لا يكتمل إلا بتقديم المفطح. حتى أصبح بعض الناس يخشون نظرة المجتمع أكثر من حرصهم على قدراتهم المالية وراحة أسرهم.
والسؤال هنا: هل الكرم في الوقوف طوال المجلس؟ وهل تُقاس مكانة الرجل بحجم الوليمة التي يقدمها؟ أم أن الكرم الحقيقي يكمن في حسن الاستقبال، وطيب الكلام، وصدق المشاعر؟
ما المانع من أن يُكرم الإنسان ضيفه بوجبة بسيطة، أو يقلطه على دجاجة شهية، أو يقدم له ساندويتش شاورما مع علبة بيبسي بارد وشفاط، ويجلس معه في أجواء يسودها الود والاحترام؟ أليس ذلك أفضل من أن يتكلف ما يفوق قدرته، أو يستدين من أجل مناسبة تنتهي ويبقى عبؤها المالي طويلًا؟
المشكلة ليست في القهوة أو المفطح أو غيرهما من مظاهر الضيافة، وإنما في تحويلها إلى معايير للحكم على الناس، وكأن من يختار البساطة أقل كرمًا ممن ينفق ببذخ. فلكل إنسان ظروفه وإمكاناته، وليس من الحكمة أن نفرض على الجميع أسلوبًا واحدًا في إكرام الضيوف.
إن العادات وُجدت لتنظيم الحياة الاجتماعية وتعزيز الألفة بين الناس، لا لتكون عبئًا عليهم أو سببًا في إحراجهم. وإذا تحولت بعض الممارسات إلى مصدر للتكلف والمنافسة واستنزاف الأموال، فمن حق المجتمع أن يعيد النظر فيها دون أن يشعر بأنه يتخلى عن هويته أو ينتقص من تاريخ أجداده.
نحن بحاجة إلى التمييز بين القيم التي تستحق أن تنتقل من جيل إلى جيل، مثل الشهامة والوفاء وصلة الرحم وإكرام الضيف، وبين التفاصيل التي تتغير بتغير الزمن. فالقيم الأصيلة تبقى، أما وسائل التعبير عنها فليست ملزمة بالبقاء على صورتها القديمة.
أجدادنا كانوا رجال زمانهم، ونحن مسؤولون عن أن نكون رجال زماننا. ومن الحكمة ألا نحمّل أبناءنا أعباء اجتماعية لا ضرورة لها، بل نمنحهم مساحة ليعيشوا بوعي، ويبنون مستقبلهم، ويؤسسون أسرهم بعيدًا عن المظاهر التي تستنزف المال والجهد.
إن احترام الماضي لا يعني العيش فيه، والاعتزاز بالتراث لا يمنع تطويره. فالمجتمع الذي يقدّر تاريخه هو نفسه الذي يستطيع مراجعة عاداته، واختيار ما يناسب حاضره ومستقبله.
اتركوا الماضي للأجداد، وخذوا من إرثهم أجمل القيم، وكونوا رجال الحاضر؛ فالرجولة أخلاق ومواقف، والكرم طيب نفس، والأصالة ليست في تكرار الماضي، بل في الحفاظ على قيمه وصناعة مستقبل أفضل.
كاتب رأي
#نحن_طويق
