في ظلال المسرحنحن طويق

مسرحة الروايات في السعودية..

مسرحة الروايات في السعودية..

رياض الشهري 

تحتفظ الرواية بقدرتها على بناء العوالم، واستنطاق الشخصيات، والغوص في أعماق الإنسان، بينما يمتلك المسرح قدرة فريدة على تحويل الكلمات إلى أفعال، والمشاعر إلى صور حية، والصراع الداخلي إلى مواجهة مرئية أمام الجمهور. وبين هذين الفنين تنشأ علاقة إبداعية تتجاوز حدود الاقتباس، لتفتح الباب أمام سؤال مهم: ماذا يحدث حين تغادر الرواية صفحاتها لتقف شخصياتها على خشبة المسرح؟
في المشهد الثقافي السعودي، تكتسب مسرحة الروايات أهمية خاصة مع اتساع التجربة الروائية المحلية، وتنوع موضوعاتها بين الاجتماعي والتاريخي والنفسي والرمزي. فالرواية السعودية لم تعد تكتفي برصد التحولات الاجتماعية، بل أصبحت تطرح أسئلة الهوية والذاكرة والمكان والإنسان، وهي موضوعات يمكن للمسرح أن يعيد قراءتها وتقديمها برؤية فنية مختلفة.
ومع ذلك، فإن مسرحة الرواية في السعودية تظل مجالًا يستحق مزيدًا من الاهتمام النقدي والتجارب التطبيقية؛ إذ لا تكفي وفرة الروايات الجيدة لصناعة مسرح جيد، كما أن نجاح الرواية في جذب القراء لا يعني بالضرورة نجاحها حين تتحول إلى عرض مسرحي.
أولًا: من الرواية إلى المسرحية.. اختلاف الوسيلة ووحدة الحكاية
تقوم الرواية على السرد والوصف وتعدد الأمكنة والأزمنة، وتمنح الكاتب مساحة واسعة للكشف عن أفكار الشخصيات وهواجسها الداخلية، في حين يقوم المسرح على الفعل والصراع والحوار، ويخضع لحدود المكان والوقت والإمكانات الفنية المتاحة.
ولذلك، فإن تحويل الرواية إلى مسرحية ليس عملية اختصار للنص الروائي، ولا نقلًا مباشرًا لأحداثه من صفحات الكتاب إلى الخشبة، بل هو إعادة بناء للعمل وفق قوانين الكتابة الدرامية.
فقد يخصص الروائي صفحات طويلة لوصف شخصية واحدة، بينما يستطيع المعد المسرحي الكشف عن ملامح هذه الشخصية من خلال موقف حواري قصير، أو حركة جسدية، أو صمت دال، أو علاقة متوترة مع شخصية أخرى.
ومن هنا، فإن نجاح المسرحة يتوقف على قدرة المعد على اكتشاف النواة الدرامية للرواية، وتحديد الصراع الأساسي فيها، ثم إعادة تشكيل الأحداث والشخصيات بما يجعلها قابلة للتجسيد أمام الجمهور.
وفي هذا السياق، تبرز رواية «أبو شلاخ البرمائي» للدكتور غازي القصيبي بوصفها شاهدًا سعوديًا واضحًا على انتقال الرواية إلى مجال الإعداد المسرحي؛ إذ اختار برنامج المحترف للفنون المسرحية الرواية لتكون أساسًا لتجربة مسرحية، وعمل المسرحي ياسر مدخلي على مسرحتها ضمن مشروع للإعداد والتدريب المسرحي، بحسب ما نشرته صحيفة الوطن السعودية في يناير 2011.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من طبيعة الرواية نفسها؛ فهي عمل ساخر يعتمد على صوت الشخصية وطريقتها في رواية الأحداث، ما يجعل نقلها إلى المسرح اختبارًا لقدرة المعد على تحويل السرد الساخر إلى فعل وحوار وإيقاع بصري.
ثانيًا: غازي القصيبي.. حين تصبح السخرية مادة مسرحية
تمثل رواية «أبو شلاخ البرمائي» نموذجًا جديرًا بالتأمل عند الحديث عن مسرحة الرواية السعودية، لا لمجرد انتقالها إلى مشروع إعداد مسرحي، بل لما تطرحه من تحديات فنية.
فالرواية التي صدرت عام 2002 تقوم على شخصية ذات حضور لافت، وعلى خطاب ساخر يتداخل فيه الشخصي بالاجتماعي، وتتحول فيه الحكاية إلى وسيلة لقراءة المجتمع ونقد بعض تناقضاته.
لكن كيف يمكن نقل هذا الصوت الروائي إلى المسرح؟
إن التحدي الأول يتمثل في تحويل الراوي من صوت يسيطر على الحكاية إلى شخصية تمارس فعلها أمام الجمهور. فالسخرية المكتوبة قد تنجح من خلال تعليق سردي أو وصف عابر، بينما تحتاج السخرية المسرحية إلى توقيت دقيق، وموقف درامي، وتفاعل بين الممثلين، وقدرة على إيصال المعنى من خلال الأداء.
أما التحدي الثاني، فيتمثل في اختيار الأحداث التي تحمل طاقة درامية، واستبعاد التفاصيل التي تخدم البناء الروائي أكثر مما تخدم العرض المسرحي.
وهنا تتضح أهمية المعد المسرحي؛ فهو لا ينقل الرواية كما هي، بل يعيد اكتشافها. وقد يحتاج إلى تقديم بعض الأحداث بترتيب مختلف، أو دمج شخصيات، أو تحويل بعض الأفكار إلى مواقف مرئية، شريطة ألا يفقد العمل روحه الأساسية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مسرحة «أبو شلاخ البرمائي» بوصفها تجربة تفتح سؤالًا أوسع أمام المسرح السعودي: هل نستطيع استثمار الرواية المحلية الغنية بالشخصيات والمواقف الاجتماعية في إنتاج عروض تمتلك استقلالها الفني، بدل الاكتفاء باستثمار شهرة الرواية أو اسم مؤلفها؟
ثالثًا: الرواية السعودية ومخزونها الدرامي
لا تتوقف أهمية مسرحة الرواية السعودية عند تجربة واحدة، فالمشهد الروائي المحلي يضم أعمالًا متعددة تتناول قضايا الأسرة، والتحولات الاجتماعية، والمدينة، والذاكرة، والعلاقات الإنسانية، والتغيرات التي طرأت على حياة الفرد والمجتمع.
ويمكن النظر إلى بعض هذه الأعمال بوصفها مخزونًا محتملًا للكتابة المسرحية، مع ضرورة التمييز بين الروايات التي تمتلك بالفعل بناءً دراميًا مناسبًا، وتلك التي تحتاج إلى معالجة جذرية قبل تحويلها إلى نص مسرحي.
ومن الأمثلة التي يمكن مناقشتها في هذا السياق رواية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، وهي عمل روائي واسع يتناول التحولات التي أحدثها اكتشاف النفط في مجتمعات الخليج العربية.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الرواية باعتبارها نصًا جاهزًا للنقل المسرحي، بل بوصفها نموذجًا لتحدي تحويل العالم الروائي الواسع إلى تجربة مسرحية مركزة. فامتداد الأحداث وتعدد الشخصيات والأمكنة يفرضان على المعد اختيار زاوية محددة، مثل التحول الاجتماعي، أو علاقة الإنسان بالمكان، أو أثر التغير الاقتصادي في بنية المجتمع.
وقد يكون الأنسب مسرحيًا تقديم عمل يستلهم إحدى القضايا المركزية في الرواية، بدل محاولة استيعاب عالمها كله في عرض واحد.
كذلك يمكن النظر إلى رواية «ترمي بشرر» لعبده خال من زاوية ما تتيحه من إمكانات لقراءة التفاوت الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية، والوجوه المتعددة للسلطة والثراء والهشاشة الإنسانية.
غير أن اقتراح هذه الروايات لا يعني أنها قُدمت بالفعل على المسرح السعودي؛ وإنما هي أمثلة على أعمال يمكن دراستها واختبار قابليتها للإعداد المسرحي، وفق رؤية فنية تحترم طبيعة كل عمل.
والأهم أن الاختيار ينبغي ألا يقوم على شهرة الرواية وحدها، بل على ما تحتويه من صراع قابل للتجسيد، وشخصيات تستطيع حمل الحدث، وقضايا يمكن أن تكتسب حياة جديدة فوق الخشبة.
رابعًا: لماذا لا تنتقل الرواية إلى المسرح بسهولة؟
تواجه مسرحة الرواية عددًا من التحديات الفنية، يأتي في مقدمتها الفرق بين زمن القراءة وزمن العرض.
فالقارئ يستطيع التوقف والعودة إلى الصفحات السابقة والتأمل في التفاصيل، بينما يتلقى المشاهد الحدث المسرحي في زمن متصل، ويتعين على العرض أن يحافظ على انتباهه ويقوده نحو ذروة درامية واضحة.
ومن هنا، تظهر مشكلة الإفراط في السرد؛ إذ قد يقع المعد في خطأ تحويل المسرحية إلى راوٍ يشرح الأحداث، بينما يظل الممثلون مجرد أدوات لتوضيح ما يقوله النص.
وفي هذه الحالة، يفقد المسرح إحدى أهم خصائصه، وهي قدرته على جعل الحدث يقع أمام المتلقي بدل الاكتفاء بإخباره بأنه وقع.
ويظهر تحدٍّ آخر في نقل العالم الداخلي للشخصيات. فالرواية تستطيع أن تكشف أفكار الشخصية ومخاوفها من خلال المونولوج الداخلي والوصف، أما المسرح فيحتاج إلى وسائل تعبيرية أخرى، مثل الحوار والمونولوج المسرحي والحركة والإضاءة والفضاء السينوغرافي.
ولذلك، لا بد أن يمتلك المعد حسًا مسرحيًا يمكنه من تحويل المعنى الروائي إلى فعل محسوس.
أما الإخراج، فيتحمل مسؤولية موازية؛ لأنه لا يكتفي بتنفيذ النص، بل يبحث عن لغة بصرية وسمعية تعيد تشكيل العالم الروائي، وتمنح العرض هويته المستقلة.
إن الرواية تقدم المادة الخام، لكن المسرح يحتاج إلى رؤية تحوّل هذه المادة إلى تجربة حية.
خامسًا: هل ينجح الاقتباس في ظل شهرة الرواية؟
قد تبدو مسرحة رواية معروفة خيارًا مغريًا؛ لأن العمل الروائي يمتلك جمهورًا سابقًا، ولأن شخصياته وأحداثه قد تكون مألوفة لدى عدد من المشاهدين.
لكن هذه الميزة تحمل في داخلها تحديًا؛ فالقارئ يدخل المسرح وهو يحمل صورة ذهنية عن الرواية، وقد يقارن بين ما قرأه وما يراه أمامه.
وهنا ينبغي التأكيد أن نجاح المسرحية لا يقاس بمدى تطابقها مع الرواية، وإنما بقدرتها على تحقيق شروطها الفنية الخاصة.
فالمسرحية المقتبسة ليست نسخة مصغرة من الرواية، ولا ينبغي أن تكون أسيرة تفاصيلها. إنها عمل فني جديد ينطلق من أصل أدبي سابق، لكنه يحتاج إلى شخصيات حية، وصراع متصاعد، وحوار مكثف، ونهاية تترك أثرها لدى المتلقي.
وتؤكد تجارب الاقتباس العربية، على اختلاف سياقاتها، أن العلاقة بين الرواية والمسرح لا تقوم على النقل الحرفي، بل على إعادة التشكيل. وقد ناقشت الكتابات النقدية المتخصصة ضرورة مراعاة طبيعة الوسيط المسرحي عند تحويل الرواية، بما يشمل تكثيف الأحداث واختيار الشخصيات والأمكنة الملائمة للعرض.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المسرحي السعودي ليس: كيف نقدم الرواية على المسرح كما كتبها صاحبها؟ بل: ما الذي يستطيع المسرح اكتشافه في هذه الرواية ولا تستطيع القراءة وحدها تقديمه بالطريقة نفسها؟
سادسًا: مسرحة الروايات بوصفها مشروعًا للمسرح السعودي
إذا أردنا أن تتحول مسرحة الروايات في السعودية من محاولات متفرقة إلى مسار إبداعي مستمر، فإن الأمر يحتاج إلى مشروع تتكامل فيه جهود الروائيين والمعدين والمخرجين والمنتجين والجهات الثقافية.
ويمكن أن يبدأ هذا المشروع بتأسيس ورش متخصصة لاختيار الروايات السعودية القابلة للمسرحة، ثم إخضاعها لقراءات درامية تدرس بنيتها وشخصياتها وصراعاتها، وصولًا إلى إعداد نصوص قابلة للتجريب على الخشبة.
كما يمكن إقامة لقاءات تجمع الروائي بالمعد المسرحي؛ إذ يستطيع الروائي أن يوضح خلفيات الشخصيات ودوافعها، بينما يمتلك المعد القدرة على اكتشاف ما يمكن الاستغناء عنه، وما ينبغي تكثيفه، وما يحتاج إلى إعادة بناء.
ولا يعني ذلك منح الروائي سلطة مطلقة على النص المسرحي، بل إقامة حوار إبداعي يحفظ روح العمل الأصلي، ويتيح في الوقت نفسه للمسرح أن يمارس استقلاله الفني.
ومن المهم أيضًا ألا تقتصر الاختيارات على الروايات الأكثر مبيعًا أو شهرة؛ فبعض الأعمال الأقل انتشارًا قد تمتلك بنية صراعية أكثر ملاءمة للمسرح، أو تقدم موضوعات جديدة يمكن أن تثري التجربة المسرحية السعودية.
ويستطيع هذا التوجه أن يفتح أمام المسرح المحلي مجالًا أوسع للتجريب، ويمنح الرواية السعودية فرصة جديدة للوصول إلى جمهور مختلف، كما يوفر للمخرجين والممثلين عوالم وشخصيات تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية غنية.
خاتمة: الرواية التي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة
إن مسرحة الروايات في السعودية ليست مجرد انتقال من جنس أدبي إلى آخر، بل هي عملية اكتشاف متبادل بين فن يروي الحكاية وفن يجسدها.
فالرواية تمنح المسرح شخصياتها وعوالمها وأسئلتها، بينما يمنحها المسرح حياة أخرى، تتجسد فيها الأفكار على هيئة أجساد وأصوات وحركات وصور.
وتبقى تجربة مسرحة «أبو شلاخ البرمائي» شاهدًا موثقًا على وجود اهتمام سعودي بهذا المسار، فيما تظل أعمال روائية أخرى مجالًا مفتوحًا للدراسة والتجريب، لا يصح عدّها تجارب مسرحية منجزة من دون توثيق عروضها.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الروايات التي يمكن نقلها إلى الخشبة، بل في نوعية المعالجة التي تجعل الرواية تنمو فنيًا في شكلها الجديد.
فليست كل رواية مسرحية ناجحة بالضرورة، وليست كل مسرحية مقتبسة مطالبة بأن تكون وفية لكل صفحة من أصلها. وبين الأمانة الإبداعية والحرية الفنية تتحدد قدرة المعد على صناعة نص يحترم الرواية، ويمنح المسرح في الوقت نفسه عملًا يستحق الحياة فوق الخشبة.
فالرواية تنتهي حين نطوي صفحتها الأخيرة، أما حين تنجح مسرحتها، فإنها تبدأ رحلة أخرى؛ رحلة لا يقرأ فيها الجمهور الحكاية، بل يشاهدها وهي تحدث أمامه.

كاتب مسرحي 

#نحن_طويق

 

 

رياض الشهري

كاتب مسرحي وقصة ورواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.