في ظلال المسرح

المسرح.. وصناعة الطالب.

المسرح.. وصناعة الطالب.

رياض الشهري 

لم يكن المسرح المدرسي في السعودية مجرد فقرة ترفيهية تُقدَّم في مناسبة أو احتفال، بل كان ــ ولا يزال ــ أحد المجالات التي يمكن أن تسهم في بناء شخصية الطالب، وتنمية قدراته، واكتشاف مواهبه، وتعزيز ثقته بنفسه. فحين يقف الطالب على خشبة المسرح، فإنه لا يتعلم التمثيل وحده، وإنما يتعلم كيف يتحدث، وكيف ينصت، وكيف يتعاون، وكيف يتحمل المسؤولية.
وقد ارتبط المسرح بالنشاط الطلابي في المدارس السعودية ارتباطًا مهمًا، خصوصًا في المناسبات الوطنية والثقافية والتربوية. فالاحتفال باليوم الوطني، والمناسبات المدرسية، والفعاليات الثقافية، والمسابقات المسرحية، كلها وفرت مساحات يستطيع الطالب من خلالها أن ينتقل من مقعد المتلقي إلى موقع المشارك وصانع الحدث.
وإن من أهم ما يقدمه المسرح للنشاط الطلابي أنه يغيّر طبيعة العلاقة بين الطالب والنشاط. ففي النشاط التقليدي قد يكون الطالب مستمعًا أو منفذًا لتوجيهات محددة، بينما يمنحه المسرح فرصة أن يكون جزءًا من عملية إبداعية متكاملة.
فالطالب الذي يؤدي دورًا مسرحيًا يتعلم حفظ النص وفهم الشخصية والتعبير عن المشاعر والالتزام بالمواعيد. والطالب الذي يعمل خلف الكواليس يتعلم الإضاءة والصوت والديكور والتنظيم. أما من يشارك في الكتابة والإعداد فيتعلم البحث وصياغة الأفكار وتحويلها إلى مشاهد وحوار.
وهكذا يصبح المسرح فريق عمل صغيرًا داخل المدرسة.
وربما تكون الثقة بالنفس من أبرز الآثار التي يمكن أن يتركها المسرح في الطالب.
فالوقوف أمام الجمهور تجربة مختلفة عن الحديث داخل الفصل. ومع تكرار التجربة يتعلم الطالب مواجهة الجمهور، والتعبير عن رأيه، والسيطرة على التوتر، واستخدام صوته ولغة جسده بطريقة أكثر وضوحًا.
ومن هنا فإن المسرح لا يبحث فقط عن الطالب الذي يمتلك موهبة التمثيل، بل يمكن أن يكون وسيلة لاكتشاف مواهب لم تكن ظاهرة في البيئة المدرسية.
قد يدخل الطالب النشاط المسرحي ممثلًا، ثم يكتشف أنه كاتب. وقد يبدأ في الديكور، فيكتشف موهبته في التصميم. وقد يعمل في التنظيم، فيظهر لديه ميل للإدارة والإنتاج.
إن الميزة الأهم للمسرح المدرسي أنه يستطيع تقديم القيمة دون أن يحولها بالضرورة إلى درس مباشر.
فبدل أن يُقال للطالب: التعاون قيمة مهمة، يمكن أن يرى التعاون من خلال شخصيات المسرحية. وبدل أن تقدم له المسؤولية في صورة تعريف نظري، يمكن أن يعيشها حين يصبح مسؤولًا عن دوره أو عن جزء من العرض.
وهنا يلتقي الفن بالتربية.
والمسرح يستطيع أن يناقش قضايا مثل الصدق، والأمانة، واحترام الآخر، والمحافظة على البيئة، والانتماء الوطني، وقبول الاختلاف، والعمل الجماعي، بأسلوب أقرب إلى عالم الطالب وخياله.
وفي السعودية، اكتسب المسرح المدرسي أهمية إضافية من خلال المناسبات الوطنية، حيث تحولت الخشبة في كثير من المدارس إلى مساحة للتعبير عن الاعتزاز بالوطن والتاريخ والمنجزات.
لكن التحدي هنا هو ألا يتحول المسرح الوطني إلى مجرد كلمات وشعارات محفوظة.
فالمسرح يستطيع أن يقدم الوطن من خلال قصة وشخصية وصراع وموقف؛ أي أن يجعل الطالب يعيش الفكرة بدل أن يسمعها فقط.
وهذا ما يجعل المسرح أكثر تأثيرًا في الذاكرة الطلابية؛ فالطالب قد ينسى كلمة ألقيت في احتفال، لكنه قد يتذكر مشهدًا شارك فيه، أو شخصية جسدها، أو عرضًا وقف خلفه مع زملائه.
ولا يمكن الحديث عن المسرح والنشاط الطلابي من دون الحديث عن المعلم والمشرف على النشاط.
فوجود معلم يمتلك الوعي المسرحي يستطيع أن يحول الإمكانات المحدودة إلى تجربة ثرية. وليس المطلوب دائمًا مسرح مجهز بأحدث التقنيات؛ فقد تبدأ التجربة من فصل دراسي، أو ساحة مدرسة، أو منصة بسيطة.
المهم هو وجود فكرة جيدة، وإدارة واعية، ومعلم يؤمن بأن المسرح جزء من التربية وليس مجرد فقرة احتفالية.
ومن المعروف أيضا أن من أكبر مكاسب المسرح المدرسي أنه يمثل بوابة مبكرة لاكتشاف المواهب السعودية.
فعدد من المشتغلين بالفن والمسرح والإعلام بدأوا من المدرسة، حيث كانت الإذاعة المدرسية والمسرح والنشاط الثقافي أول مساحة لاكتشاف قدراتهم.
ومن هنا يمكن النظر إلى النشاط المسرحي باعتباره جزءًا من منظومة اكتشاف المواهب، وليس نشاطًا هامشيًا ينتهي بانتهاء الحفل.
فالمشكلة ليست في المسرح.. بل في طريقة التعامل معه
والمسرح المدرسي لا يحتاج إلى أن يكون منافسًا للمسرح الاحترافي، ولا ينبغي أن نقيس نجاحه بعدد الجوائز فقط.
ونجاح المسرح المدرسي قد يكون في طالب خجول استطاع أن يتحدث أمام زملائه، أو طالب اكتشف موهبته في الكتابة، أو مجموعة طلاب تعلموا معنى العمل الجماعي، أو طالب أصبح أكثر قدرة على التعبير عن نفسه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نجح العرض المسرحي؟
بل:
ماذا فعل المسرح بالطالب بعد انتهاء العرض؟
إذا جعله أكثر ثقة، وأكثر قدرة على التواصل، وأكثر تعاونًا، وأكثر وعيًا بذاته ومجتمعه، فقد أدى المسرح مهمته التربوية حتى لو لم يحصل العرض على جائزة
ومستقبل النشاط الطلابي في السعودية يمكن أن يستفيد كثيرًا من المسرح إذا انتقلنا من النظر إليه باعتباره نشاطًا موسميًا إلى اعتباره مسارًا تربويًا وإبداعيًا مستمرًا.
فالمدرسة التي تمنح المسرح مساحة حقيقية لا تصنع ممثلين فقط، وإنما تصنع طلابًا قادرين على الكلام والحوار والاستماع والتعاون والابتكار.
وربما لهذا السبب تحديدًا يستحق المسرح أن يستعيد مكانته في النشاط الطلابي؛ لأن الخشبة المدرسية ليست مجرد مكان يقف عليه الطالب ليمثل دورًا، وإنما قد تكون المكان الذي يكتشف فيه الطالب نفسه لأول مرة.

كاتب مسرحي 

رياض الشهري

كاتب مسرحي وقصة ورواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.