في ظلال المسرح
البلاغة في المسرح العربي

البلاغة في المسرح العربي
رياض الشهري
ليست البلاغة في المسرح أن تتأنق الكلمات، ولا أن تتزاحم الاستعارات والتشبيهات على ألسنة الشخصيات، فالمسرح ليس قصيدة تُقرأ على الورق، وإنما عالمٌ تتحول فيه الكلمة إلى فعل، والصمت إلى معنى، والحركة إلى لغة، والمكان إلى ذاكرة.
ومن هنا تبدو البلاغة المسرحية مختلفة عن البلاغة في الشعر أو النثر؛ لأن الكلمة على خشبة المسرح لا تُقرأ فقط، بل تُسمع وتُرى وتُؤدّى. وقد تكون جملة قصيرة، قيلت في اللحظة المناسبة، أكثر بلاغة وتأثيراً من صفحة كاملة من الكلام المنمق.
فحين تقول شخصية: «أنا وحيد»، فإنها تخبرنا عن وحدتها، لكن المسرح يستطيع أن يجعلنا نرى هذه الوحدة: شخص يجلس منفرداً، يتحدث إلى كرسي فارغ، ينتظر طويلاً، ثم يكتفي بالصمت. هنا لم تعد الوحدة كلمة، وإنما أصبحت مشهداً.
وهذه هي خصوصية البلاغة المسرحية؛ أنها لا تسكن الكلمات وحدها.
البلاغة حين تتحول إلى فعل
المسرح يمتلك بلاغتين متداخلتين: بلاغة القول، وبلاغة الفعل.
بلاغة القول تظهر في الحوار والإيقاع والاستعارة والكناية والمفارقة وغيرها من الأدوات اللغوية، أما بلاغة الفعل فتظهر في الحركة، والصمت، والإضاءة، والمكان، والجسد، والأشياء.
والكاتب المسرحي الحقيقي لا يضع الكلمات الجميلة لمجرد جمالها، وإنما يجعلها جزءاً من الصراع.
فالجملة المسرحية الناجحة ليست بالضرورة تلك التي نستطيع اقتباسها ونشرها منفردة، وإنما تلك التي تغيّر شيئاً في المشهد: تكشف سراً، تشعل خلافاً، تفضح شخصية، تقلب موقفاً، أو تجعل المتلقي يعيد فهم ما سبق.
الاستعارة التي تمشي على الخشبة
في المسرح يمكن للاستعارة أن تخرج من الجملة لتصبح شخصية أو مكاناً أو شيئاً.
بيت قديم يمكن أن يكون أكثر من بيت؛ قد يصبح ذاكرة.
باب مغلق يمكن أن يكون أكثر من باب؛ قد يصبح حرية مؤجلة.
كرسي فارغ يمكن أن يصبح غياباً.
ساعة متوقفة يمكن أن تصبح زمناً لم يستطع أحد تجاوزه.
وهنا يتحول العنصر المسرحي من مجرد جزء من الديكور إلى علامة تحمل معنى.
إن أجمل ما في المسرح أن الأشياء الصامتة تستطيع أن تتكلم، ولكن بلغتها الخاصة.
المفارقة.. عندما يقول المسرح شيئاً ويعني شيئاً آخر
ومن أقوى أدوات البلاغة المسرحية المفارقة.
قد تقول الشخصية: «أنا أثق بك»، بينما يعرف الجمهور أن الشخص الذي تخاطبه يخونها.
الجملة هنا لا تحمل معناها الظاهر فقط؛ بل تحمل نقيضه أيضاً.
وهذا ما يجعل المتلقي شريكاً في صناعة المعنى. فهو لا يسمع الحوار فقط، وإنما يقرأ ما وراء الحوار، ويراقب ما تعرفه الشخصية وما لا تعرفه، وما يقوله الممثل وما تكشفه أفعاله.
وهنا تصبح البلاغة المسرحية لعبة ذكية بين المعلن والمخفي.
الصمت.. أبلغ من الكلام أحياناً
وإذا كانت البلاغة مرتبطة بالكلام في أذهاننا، فإن المسرح يذهب بها إلى مكان آخر: الصمت.
قد تسأل شخصية أخرى:
«هل كنت تعرف؟»
ولا يأتي جواب.
ذلك الصمت قد يكون اعترافاً، أو خوفاً، أو خيانة، أو عجزاً، أو محاولة للهروب من الحقيقة.
ولهذا فالصمت على خشبة المسرح ليس دائماً فراغاً بين جملتين، بل قد يكون جملة كاملة لا تُنطق.
وربما استطاعت لحظة صمت واحدة، إذا أحسن الممثل والمخرج استخدامها، أن تقول ما تعجز صفحات من الحوار عن قوله.
هل اللغة الفصحى أكثر بلاغة؟
هنا يبرز سؤال آخر في المسرح العربي: هل البلاغة مرتبطة باللغة الفصحى وحدها؟
الإجابة المسرحية تقول: ليس بالضرورة.
فالبلاغة ليست في مستوى اللغة وحده، وإنما في قدرتها على أداء وظيفتها داخل العرض.
قد تكون الفصحى شديدة القوة في مسرحية تاريخية أو شعرية، وقد تكون اللهجة المحلية أكثر صدقاً وتأثيراً في شخصية تنتمي إلى بيئة شعبية محددة.
المهم ألا تكون اللغة مجرد استعراض لغوي.
فالشخصيات ليست جميعاً شعراء، وليس مطلوباً من كل شخصية أن تتحدث بالطريقة نفسها.
اختلاف اللغة يمكن أن يكشف اختلاف الطبقات والثقافات والأعمار والمواقف، بل قد يصبح جزءاً من الصراع نفسه.
التراث البلاغي العربي.. من الكتاب إلى الخشبة
يمتلك المسرح العربي إرثاً بلاغياً هائلاً: الجناس، والطباق، والمقابلة، والتورية، والكناية، والسجع، والإيجاز، والحذف، والاستفهام، والتعجب وغيرها.
لكن السؤال المسرحي ليس: كم أداة بلاغية استطاع الكاتب أن يحشدها؟
بل: ماذا صنعت هذه الأدوات داخل المسرحية؟
فالسجع، مثلاً، قد يمنح الحوار إيقاعاً جميلاً، لكنه إذا جاء مصطنعاً أضعف الشخصية وأخرجها من طبيعتها.
أما إذا خرج الإيقاع من الشخصية والموقف، فقد يصبح جزءاً من موسيقى المسرحية.
وهنا تكمن المسافة بين اللغة الجميلة واللغة المسرحية.
من البلاغة اللغوية إلى البلاغة البصرية
ومع تطور المسرح لم تعد البلاغة مقصورة على الحوار.
الإضاءة يمكن أن تكون استعارة.
اللون يمكن أن يكون رمزاً.
المكان يمكن أن يكون ذاكرة.
الملابس يمكن أن تكشف تحول الشخصية.
الحركة يمكن أن تصبح علامة.
والجسد نفسه يمكن أن يقول ما لا تقوله الكلمات.
ولهذا يمكن أن نتحدث عن بلاغة متعددة المستويات في المسرح:
بلاغة الكلمة، وبلاغة الجسد، وبلاغة الصمت، وبلاغة المكان، وبلاغة الضوء، وبلاغة الأشياء.
وهنا يصبح العرض المسرحي نصاً آخر، لا يكتفي بتفسير النص المكتوب، بل يضيف إليه طبقات جديدة من الدلالة.
البلاغة في المسرح العربي والسعودي
وعند الانتقال إلى المسرح السعودي، تفتح البلاغة أبواباً أخرى للبحث.
فاللهجة المحلية، والموروث الشعبي، والأمثال، والحكايات، والرموز الاجتماعية، والذاكرة المكانية، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات مسرحية، لا بوصفها عناصر تراثية فحسب، وإنما بوصفها لغة تحمل ذاكرة المجتمع.
وهنا يمكن قراءة تجارب عدد من المسرحيين السعوديين من زاوية مختلفة؛ ليس فقط من خلال موضوعاتهم أو أساليبهم في الكتابة، وإنما من خلال الطريقة التي يصنعون بها المعنى داخل الحوار والمشهد والصورة المسرحية.
وقد يكون من المفيد أن نتوقف عند تجارب كتّاب مثل فهد الحارثي وغيرهم، لا للبحث عن المحسنات البلاغية في نصوصهم، وإنما لاكتشاف الكيفية التي تتحول بها اللغة إلى رمز وصراع وإيحاء.
في النهاية.. ليست البلاغة زينة
ربما نحتاج في نقد المسرح العربي إلى أن نعيد النظر في مفهوم البلاغة.
فالمسرح لا يحتاج إلى لغة مزخرفة بقدر حاجته إلى لغة حية.
لا يحتاج إلى جملة جميلة فقط، بل إلى جملة تفعل شيئاً.
ولا يحتاج إلى استعارة مدهشة فقط، بل إلى استعارة تفتح باباً جديداً في المعنى.
ولا يحتاج إلى صمت طويل، بل إلى صمت يقول شيئاً.
إن البلاغة المسرحية الحقيقية هي أن يستطيع الكاتب أن يجعل المتلقي يرى في الكلمة أكثر مما يسمع، ويرى في الصمت أكثر مما يرى، ويكتشف في المشهد معنى لم تقله الشخصية صراحة.
ولهذا فإن السؤال الأهم عند قراءة النص المسرحي ليس:
أين الاستعارة؟ وأين الطباق؟ وأين الجناس؟
بل:
ماذا فعلت البلاغة بالمشهد؟ وماذا فعل المشهد بالبلاغة؟
عندما تصبح الكلمة فعلاً، والصمت كلاماً، والمكان استعارة، والحركة علامة، والصراع لغة أخرى، عندها لا تعود البلاغة زينة للنص المسرحي، وإنما تصبح جزءاً من بنيته وروحه.
وهنا تحديداً تبدأ بلاغة المسرح.


