في ظلال المسرح

لو لم يكن

لو لم يكن

رياض الشهري 

الشخصيات:
– مدير الجلسة: رجل جاد يتعامل مع الطلبات الغريبة وكأنها معاملات رسمية.
– سالم: رجل يرى أن الانتظار هو سبب تعاسته.
– فهد: رجل لا يريد أن يتذكر أخطاءه.
– ماجد: رجل يكره الوعود التي لا تتحقق.
– نورة: امرأة تريد إلغاء المسؤولية من حياة البشر.
– المراجع: شخص غامض يدخل في منتصف الأحداث، ويبدو أنه يعرف أكثر مما يقول.
المكان: قاعة رسمية غريبة، تتوسطها طاولة وخلفها لافتة كتب عليها: «إدارة تعديل الواقع».
المشهد الأول: تقديم الطلبات
تُضاء الخشبة تدريجيًا. يجلس مدير الجلسة خلف طاولة، وأمامه ملفات كثيرة. يدخل سالم مسرعًا، وينظر إلى ساعته، ثم يجلس ويقف، ويجلس مرة أخرى.
مدير الجلسة: ما بك؟
سالم: أنتظر.
مدير الجلسة: وماذا تنتظر؟
سالم: لا أعرف، لكنني أنتظر منذ زمن.
مدير الجلسة: هل لديك موعد؟
سالم: لو كان لدي موعد، لما جئت إليكم!
مدير الجلسة: وما طلبك؟
سالم: أريد إلغاء الانتظار من حياة البشر.
مدير الجلسة: (يكتب) إلغاء الانتظار… والسبب؟
سالم: انتظرت الوظيفة، وانتظرت الترقية، وانتظرت أن تتحسن الأحوال، وانتظرت أن يتغير بعض الناس… حتى أصبحت حياتي كلها انتظارًا!
مدير الجلسة: وماذا ستفعل إذا ألغينا الانتظار؟
سالم: سأعيش.
مدير الجلسة: وماذا ستفعل أثناء انتظارك للحياة؟
سالم: (يصمت) لم أفكر في ذلك.
مدير الجلسة: حسنًا، الطلب التالي!
يدخل فهد حاملًا ورقة طويلة.
فهد: جئت لأقدم طلبًا عاجلًا.
مدير الجلسة: ما هو؟
فهد: إلغاء الذاكرة.
مدير الجلسة: كلها؟
فهد: كلها، دون استثناء.
مدير الجلسة: حتى ذكريات الطفولة الجميلة؟
فهد: إذا كانت ستأتي مع بقية الذكريات، فلا بأس.
مدير الجلسة: ولماذا تريد ذلك؟
فهد: أخطأت كثيرًا، واتخذت قرارات ندمت عليها، وكلما حاولت أن أبدأ من جديد، ذكّرتني ذاكرتي بما فعلت.
مدير الجلسة: إذن، أنت لا تريد إلغاء الذاكرة، بل تريد إلغاء الندم.
فهد: لا تتدخل في تفاصيل طلبي!
مدير الجلسة: أنا موظف، والتفاصيل هي عملي.
يدخل ماجد، ويضع ملفًا ضخمًا على الطاولة.
ماجد: أريد إلغاء الوعود.
مدير الجلسة: جميع الوعود؟
ماجد: نعم. الوعود التي قطعها الناس ولم ينفذوها، والوعود التي صدقتها، والوعود التي قطعتها أنا أيضًا.
سالم: حتى وعود الزواج؟
ماجد: خصوصًا الوعود التي جعلتني أنتظر!
فهد: أنت أيضًا تنتظر؟
ماجد: يبدو أن الانتظار منتشر أكثر مما توقعت.
مدير الجلسة: (يكتب) طلب إلغاء الوعود، بسبب عدم الوفاء بها.
ماجد: لا تكتب السبب، اكتب القرار فقط!
مدير الجلسة: لو كانت القرارات بهذه السهولة، لما احتجنا إلى هذه الإدارة.
تدخل نورة، وتنظر إلى الجميع باستغراب.
نورة: هل بدأتم؟
مدير الجلسة: بدأنا منذ سنوات، لكننا لم ننتهِ بعد.
نورة: أريد إلغاء المسؤولية.
الجميع: ماذا؟!
نورة: نعم، المسؤولية. أريد أن يعيش كل إنسان كما يشاء، دون أن يطالبه أحد بشيء.
سالم: ومن سيعمل؟
نورة: من يريد.
ماجد: ومن سينفذ الوعود؟
نورة: لا وعود بعد اليوم.
فهد: ومن سيحاسب المخطئ؟
نورة: لا أخطاء تستوجب المحاسبة، كل إنسان يفعل ما يريد.
مدير الجلسة: (يرفع رأسه) وهل فكرتِ في نتائج طلبك؟
نورة: أنا جئت لأتخلص من المسؤولية، لا لأتحمل مسؤولية التفكير في نتائجها!
يصمت الجميع لحظة، ثم ينظر مدير الجلسة إلى أوراقه.
مدير الجلسة: حسنًا. لدينا الآن أربعة طلبات: إلغاء الانتظار، والذاكرة، والوعود، والمسؤولية.
سالم: متى تصدر الموافقة؟
مدير الجلسة: انتظروا.
سالم: (ينهض غاضبًا) حتى هنا؟!
إظلام.
المشهد الثاني: ماذا لو؟
تُضاء الخشبة. يقف مدير الجلسة أمام الشخصيات الأربع.
مدير الجلسة: قبل الموافقة على طلباتكم، يجب أن نختبر العالم الذي تطلبونه.
فهد: أليست هذه إدارة تعديل الواقع؟
مدير الجلسة: بلى، لكننا لا نعدل الواقع قبل أن نعرف ماذا سيحدث إذا عدلناه.
ماجد: وهل تعرفون أنتم ماذا سيحدث؟
مدير الجلسة: لو كنا نعرف كل شيء، لما احتجنا إلى مراجعين.
يدخل المراجع بهدوء، ويحمل كرسيًا صغيرًا، ويضعه في منتصف الخشبة.
المراجع: هل انتهيتم من طلباتكم؟
مدير الجلسة: تقريبًا.
المراجع: إذن، لنبدأ التجربة.
سالم: أي تجربة؟
المراجع: عالم بلا انتظار.
سالم: أخيرًا!
المراجع: تفضل، اطلب ما تريد.
سالم: أريد وظيفة.
المراجع: حصلت عليها.
سالم: أريد ترقية.
المراجع: حصلت عليها.
سالم: أريد أن أصبح مديرًا.
المراجع: أصبحت مديرًا.
سالم: (بفرح) رائع! وماذا أفعل الآن؟
المراجع: لا شيء.
سالم: كيف لا شيء؟!
المراجع: لقد ألغينا الانتظار، فوصلت إلى كل شيء قبل أن تعرف لماذا تريده.
يتوقف سالم عن الابتسام.
المراجع: والآن، عالم بلا ذاكرة.
فهد: هذا عالمي المفضل.
المراجع: أخبرني، من أنت؟
فهد: أنا فهد.
المراجع: وماذا فعلت في حياتك؟
فهد: لا أتذكر.
المراجع: وماذا تعلمت من أخطائك؟
فهد: أي أخطاء؟
المراجع: وماذا ستفعل غدًا؟
فهد: لا أعرف.
المراجع: وكيف ستعرف الطريق إلى المستقبل إذا لم تعد تعرف الطريق الذي جئت منه؟
يصمت فهد، ثم يجلس.
المراجع: والآن، عالم بلا وعود.
ماجد: لن يخدع أحد أحدًا بعد اليوم!
المراجع: هل تستطيع أن تطلب من شخص أن يساعدك؟
ماجد: نعم.
المراجع: هل تستطيع أن تعتمد عليه؟
ماجد: لا أعرف.
المراجع: هل تستطيع أن تثق به؟
ماجد: وكيف أثق بشخص لا يستطيع أن يعدني بشيء؟
المراجع: لقد طلبت إلغاء الوعود، لكنك اكتشفت أنك تريد إلغاء خيبة الأمل دون أن تفقد الأمل نفسه.
ينظر ماجد إلى الأرض.
المراجع: بقي طلب المسؤولية.
نورة: أنا مستعدة.
المراجع: منذ الآن، لا أحد مسؤول عن شيء.
نورة: ممتاز!
المراجع: إذا أخطأ أحد في حقك، فلا أحد مسؤول. وإذا ضاع حقك، فلا أحد مسؤول. وإذا احتجت إلى المساعدة، فلا أحد مسؤول.
نورة: لكن هذا ليس ما قصدته!
المراجع: وماذا قصدتِ؟
نورة: أردت أن يتوقف الآخرون عن مطالبتي بكل شيء.
المراجع: ولكنك طلبتِ أن يتوقف الجميع عن تحمل أي شيء.
تتبادل الشخصيات النظرات.
سالم: يبدو أن طلباتنا لم تكن جيدة.
فهد: بل كانت جيدة، لكن النتائج سيئة.
ماجد: إذن، نغير الطلبات.
نورة: لا، نغير أنفسنا.
ينظر الجميع إلى نورة باستغراب.
نورة: ماذا؟ هل قلت شيئًا غريبًا؟
مدير الجلسة: في هذه الإدارة، نعم.
إظلام.
المشهد الثالث: الطلب الأخير
تُضاء الخشبة. يجلس الجميع أمام مدير الجلسة. المراجع يقف بجوار الكرسي في المنتصف.
مدير الجلسة: بعد دراسة طلباتكم، قررت الإدارة الموافقة عليها.
سالم: جميعها؟
مدير الجلسة: جميعها.
فهد: سنحصل على العالم الذي طلبناه؟
مدير الجلسة: بل حصلتم عليه بالفعل.
ماجد: لكننا لم نلاحظ أي تغيير!
المراجع: لأنكم تنتظرون أن يتغير العالم، بينما لم يقرر أحد منكم أن يبدأ بنفسه.
سالم: أليس هذا كلامًا جميلًا فقط؟
المراجع: ربما. لكنني أسألك: لو لم تكن تنتظر كل هذا الوقت، ماذا كنت ستفعل بحياتك؟
يصمت سالم.
المراجع: وأنت يا فهد، لو لم تكن ذاكرتك تحمل أخطاءك، فهل كنت ستعرف كيف تتجنبها؟
ينظر فهد إلى يديه.
المراجع: وأنت يا ماجد، لو لم تكن هناك وعود، فكيف كنت ستعرف أن شخصًا ما يريد أن يمنحك الأمل؟
يتنهد ماجد.
المراجع: وأنت يا نورة، لو لم تكن هناك مسؤولية، فمن سيحمي حقوقك حين يقرر الآخرون تجاهلها؟
تخفض نورة رأسها.
مدير الجلسة: يبدو أن لديكم طلبًا جديدًا.
سالم: نعم. نريد إلغاء طلباتنا السابقة.
مدير الجلسة: هذا ممكن.
فهد: ونريد العودة إلى حياتنا.
مدير الجلسة: هذا ممكن أيضًا.
ماجد: إذن، ما المشكلة؟
مدير الجلسة: هناك إجراء أخير.
الجميع: ما هو؟
مدير الجلسة: يجب أن يوقع كل واحد منكم على تعهد بتحمل مسؤولية حياته.
يخرج أوراقًا ويضعها أمامهم.
نورة: أليست المسؤولية هي الشيء الذي طلبت إلغاءه؟
مدير الجلسة: بلى.
نورة: إذن، لماذا نوقع؟
مدير الجلسة: لأنكم طلبتم إلغاء المسؤولية عنكم، لا عن الإدارة.
يضحك المراجع للمرة الأولى.
سالم: (يمسك القلم) أين أوقع؟
مدير الجلسة: هنا.
فهد: وأنا؟
مدير الجلسة: هنا.
ماجد: وأنا؟
مدير الجلسة: هنا.
نورة: وأنا؟
مدير الجلسة: هنا.
يوقع الجميع. يجمع مدير الجلسة الأوراق، ثم ينظر إليهم.
مدير الجلسة: انتهت معاملتكم.
سالم: بهذه السرعة؟
مدير الجلسة: نعم.
سالم: عجيب! لأول مرة لا أنتظر.
المراجع: لا تتعجل، فقد نسيت شيئًا.
سالم: ماذا؟
المراجع: أن تبدأ حياتك.
ينهض الجميع استعدادًا للخروج. لكنهم يتوقفون أمام الباب.
فهد: لحظة! أين الباب؟
ينظر الجميع حولهم. لا يوجد باب ظاهر.
ماجد: كيف دخلنا إلى هنا إذن؟
مدير الجلسة: لا أتذكر.
فهد: أنت لا تتذكر أم أنك لا تريد أن تتذكر؟
مدير الجلسة: لا فرق.
نورة: وماذا نفعل الآن؟
المراجع: أمامكم طلب أخير.
سالم: ما هو؟
المراجع: اطلبوا أن يكون هناك باب.
ماجد: ومن سيصنعه؟
المراجع: أنتم.
ينظر الجميع إلى بعضهم. يتقدمون نحو أحد جانبي الخشبة، ويرفعون أيديهم كأنهم يفتحون بابًا غير موجود.
سالم: افتح!
لا يحدث شيء.
فهد: ربما يحتاج إلى مفتاح.
ماجد: أو إلى موافقة.
نورة: أو ربما علينا أن نتوقف عن انتظار أن يفتحه لنا أحد.
تتقدم نورة، وتدفع الهواء أمامها. يتبعها الآخرون، ويعبرون من فتحة متخيلة.
يبقى مدير الجلسة وحده، ينظر إلى أوراقه، ثم يلتفت إلى الجمهور.
مدير الجلسة: طلب جديد!
يصمت قليلًا، ثم يبتسم.
مدير الجلسة: لو لم يكن هناك من يطلب… فماذا كنت سأفعل أنا؟
يضع الأوراق على الطاولة، وينظر إلى الكرسي الفارغ.
مدير الجلسة: ربما… كنت سأعيش.
يطفئ المصباح الموجود على الطاولة بنفسه.
إظلام تام.
النهاية

كاتب مسرحي 

رياض الشهري

كاتب مسرحي وقصة ورواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.