في ظلال المسرح

تراجيديا الحب في المسرح

تراجيديا الحب في المسرح

ليس كل حبٍّ في المسرح قصةَ عاشقين، وليس كل نهاية حزينة تراجيديا. فالتراجيديا تبدأ حين يصبح الحب قوةً تدفع الشخصية إلى مواجهة قدرٍ أكبر منها، وحين لا يعود العاشق قادرًا على العودة إلى حياته الأولى بعد أن يدخل منطقة الحب.
من هنا يمكن قراءة الحب المسرحي بوصفه بطلًا خفيًا؛ يظهر أحيانًا في صورة وعد، وأحيانًا في صورة غياب، وأحيانًا أخرى في صورة مستحيلة لا يستطيع المجتمع أو الزمن أو السلطة السماح لها بأن تكتمل.
ولعل أشهر الشواهد تأتي من روميو وجولييت لشكسبير؛ فالحب هنا لا يموت لأنه ضعيف، بل لأن العالم المحيط به أقوى منه. عائلتان متعاديتان، وشاب وفتاة يلتقيان في المساحة الضيقة بين الكراهية والحب، فيتحول الحب إلى مواجهة مع تاريخ العائلتين. والمفارقة التراجيدية أن ما أراد أن يجمعهما يصبح سببًا في النهاية التي تفصل بينهما إلى الأبد.
لكن شكسبير يقدم لنا وجهًا آخر لتراجيديا الحب في أوتيلو. هنا لا يكون العائق عائلةً أو مجتمعًا، وإنما الشك. الحب موجود، والزواج قائم، لكن الغيرة تدخل بين العاشقين حتى يصبح الحب نفسه أرضًا خصبة للدمار. وكأن المسرحية تقول إن الحب لا يحتاج دائمًا إلى عدو خارجي؛ فقد يحمل الإنسان داخله العدو الذي يهدم أكثر الأشياء التي يحبها.
وفي أنطونيو وكليوباترا يصبح الحب في صراع مباشر مع السلطة والتاريخ والسياسة. أنطونيو لا يقف أمام امرأة يحبها فحسب، بل أمام عالم سياسي كامل يطالبه بالاختيار بين الحب والإمبراطورية. وهنا تتجاوز التراجيديا العلاقة العاطفية لتصبح سؤالًا عن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يختار قلبه في عالم تحكمه القوة.
وفي المسرح العربي، نجد أن الحب كثيرًا ما يرتبط بالعجز عن الوصول. وفي مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور، وإن لم تكن المسرحية قصة حب عاطفية بالمعنى التقليدي، فإن العلاقة بين الإنسان وما يؤمن به تكشف لنا مفهومًا أوسع للحب؛ فالتراجيديا قد تنشأ عندما يحب الإنسان فكرة أو حقيقة أو حرية إلى درجة يصبح فيها التخلي عنها خيانةً للذات.
وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا مختلفًا:
هل التراجيديا في الحب ناتجة عن فقدان الحبيب، أم عن استحالة امتلاك الحياة التي يحلم بها الحبيبان؟
هذا السؤال يقودنا إلى أهل الكهف لتوفيق الحكيم، حيث يصبح الزمن نفسه خصمًا للحب. الشخصيات تستيقظ من زمنها القديم لتجد أن العالم تغير، وأن المشاعر التي كانت ممكنة في زمن أصبحت مستحيلة في زمن آخر. وهنا لا يكون الموت وحده هو المأساة؛ أحيانًا يكون البقاء هو التراجيديا.
وهذا أحد أكثر وجوه تراجيديا الحب المسرحية قسوة: أن يعيش الإنسان، لكنه يعيش في عالم لم يعد يتسع للحب الذي كان يحمله.
ومن هنا يمكن تقسيم تراجيديا الحب المسرحية إلى صور متعددة:
حب يصطدم بالمجتمع: كما في روميو وجولييت.
حب يهزمه الشك: كما في أوتيلو.
حب يصطدم بالسلطة والتاريخ: كما في أنطونيو وكليوباترا.
حب يهزمه الزمن: كما في أهل الكهف.
حب يتحول إلى تضحية: حين تختار الشخصية خسارتها الخاصة من أجل الآخر.
حب يتحول إلى امتلاك: وهنا يبدأ الحب في فقدان معناه، ويتحول إلى غيرة وسيطرة.
حب مستحيل: وهو من أكثر الأنماط قدرة على صناعة التوتر المسرحي؛ لأن الجمهور يعرف منذ البداية أن الوصول قد يكون مستحيلًا.
واللافت أن الموت ليس شرطًا لوجود التراجيديا.
قد ينتهي العرض والحبيبان على قيد الحياة، لكنهما يفقدان القدرة على أن يكونا معًا. وقد تكون هذه النهاية أكثر إيلامًا من الموت؛ لأن الموت يغلق الحكاية، بينما الفراق يترك الشخصيات معلقة في سؤال: ماذا لو؟
وهنا تكمن قوة المسرح.
فالكاتب التراجيدي لا يسأل فقط: هل سيتزوج العاشقان؟
بل يسأل:
ماذا سيخسر كل واحد منهما لكي يحافظ على حبه؟
ومتى يصبح الحفاظ على الحب تضحيةً بالذات؟
ومتى يصبح التخلي عن الحب خيانةً للذات؟
لهذا فإن أجمل تراجيديات الحب ليست تلك التي تجعلنا نبكي على موت العاشقين، وإنما تلك التي تجعلنا نخرج من المسرح ونحن نتساءل: هل كان يمكن إنقاذهما؟
ربما كان يمكن.
وربما لم يكن.
لكن التراجيديا العظيمة تجعلنا نختلف حول الإجابة حتى بعد إسدال الستار.
فالحب في المسرح لا يصبح تراجيديًا عندما ينتهي، بل عندما يصبح الاستمرار فيه مستحيلًا.
وهنا يتحول الحب من موضوع في المسرحية إلى قدرٍ مسرحي؛ قدرٍ قد يبدأ بكلمة، وينتهي بصمت، وبين الكلمة والصمت تُكتب واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية قابليةً لأن تعود إلى الخشبة من جديد.

رياض الشهري

رياض الشهري

كاتب مسرحي وقصة ورواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.