الستار الغائب

الستار الغائب
لم يكن المسرح المدرسي يومًا مجرد نشاط يُقدَّم في مناسبة عابرة، بل كان نافذة يطل منها الطلاب على عوالم الإبداع، ومنبرًا تُصقل فيه المواهب، وتُبنى الثقة، وتُزرع قيم الحوار والعمل الجماعي.
ومن يتأمل ما تبقى من تسجيلات قديمة لبعض العروض المدرسية، يدرك أن تلك الأعمال، رغم تواضع إمكانياتها وغياب التغطية الإعلامية، كانت تحمل روحًا مختلفة. كانت الفكرة هي البطل الحقيقي، وكان الإخلاص في الأداء يعوض نقص الإمكانات. ديكورات بسيطة، وأزياء متواضعة، وخشبات مسرح محدودة، لكنها احتضنت مواهب استطاعت أن تمنح الشخصيات حياةً مدهشة، حتى إن كثيرًا ممن شاهد تلك العروض لا يزال يتذكرها رغم مرور السنوات.
وربما كان أكثر ما يؤلم في تلك التجارب أن كثيرًا من المواهب التي أبهرت الحضور لم تجد طريقها إلى الاستمرار. فمع غياب الدعم، وقلة الفرص، وانشغال المؤسسات التعليمية ببرامج أخرى، اختفت أسماء كان يمكن أن تكون اليوم من نجوم المسرح السعودي.
ثم شهد المسرح المدرسي مرحلة أكثر إشراقًا مع إطلاق مهرجان المسرح المدرسي، الذي جمع إدارات التعليم في منافسة إبداعية جميلة، فتعددت التجارب، وتنوعت الأفكار، وازداد الاهتمام باكتشاف الموهوبين. كما جاء مهرجان المسرح للصغار ليؤكد أن الإبداع يبدأ منذ السنوات الأولى، وأن الطفل حين يقف على خشبة المسرح لا يتعلم التمثيل فحسب، بل يتعلم الثقة، والانضباط، والتعبير، والعمل ضمن فريق.
ورغم أن هذه التجربة لم تستمر إلا سنوات قليلة، فإنها أثبتت أن مدارسنا مليئة بالمواهب، وأن المسرح قادر على صناعة أجيال تمتلك الحضور والوعي والثقافة.
لكن جائحة كورونا أوقفت هذا الحراك، وحين عادت الأنشطة التعليمية عاد المسرح المدرسي معها، غير أن عودته بدت خافتة، فلم يسترجع وهجه السابق، وبقي حضوره أقل مما كان عليه قبل أن يُسدل الستار في تلك المرحلة.
واليوم، في ظل النهضة الثقافية التي تعيشها المملكة، والاهتمام المتزايد بالفنون والمسرح، يبدو من الطبيعي أن يطرح المهتمون هذا السؤال: لماذا لم يستعد المسرح المدرسي حضوره؟ وهل يعود مرة أخرى ليكون الحاضنة الأولى للمواهب، كما كان في سنواته الذهبية؟
إن إعادة إحياء المسرح المدرسي ليست ترفًا ثقافيًا، بل استثمار في الإنسان. فكل عرض مسرحي ناجح قد يكون بداية لمبدع جديد، وكل طالب يقف على الخشبة بثقة قد يصبح في المستقبل ممثلًا، أو مخرجًا، أو كاتبًا، أو قائدًا يمتلك القدرة على التأثير في الآخرين.
ويبقى الأمل كبيرًا بأن يعود المسرح المدرسي أكثر نضجًا وتنظيمًا، مستفيدًا من الدعم الكبير الذي تحظى به الحركة الثقافية في المملكة. وعندما يعود، فلن يكون مجرد عودة لنشاط مدرسي، بل عودة لمنصة صنعت أجيالًا، وكشفت مواهب، وأثبتت أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى إمكانات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى من يؤمن به ويمنحه فرصة أن يرى النور.
رياض الشهري