كُتاب الرأي

إنتاج الاستقرار…،

إنتاج الاستقرار…،

معيار النفوذ في الشرق الأوسط .

رؤية ثلاثية استراتيجية .

الجزء الأول .

عندما أعادت القوة تعريف نفسها 

مقال الجمعة .

الجمعة الموافق (10) يوليو 2026م

بقلم . اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

قال الله تعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾
(سورة البقرة: الآية 208)

تنبيه إلى القراء الأكارم ؛

لأن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط لم تعد أحداثا متفرقة، وإنما تعبر عن انتقال تاريخي في مفهوم القوة والنفوذ، فقد رأيت تناول هذا الموضوع في ثلاثة أجزاء أسبوعية مترابطة. ويؤسس هذا الجزء للإطار الفكري للتحول في مفهوم القوة، بينما يتناول الجزء الثاني انعكاساته على الشرق الأوسط، ودور المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي في إنتاج الاستقرار، ويخصص الجزء الثالث لاستشراف مستقبل الإقليم والسيناريوهات الأكثر ترجيحا في ظل التحولات الدولية المتسارعة .

ليست القضية في القرن الحادي والعشرين من ينتصر في الحرب، بل من ينجح في بناء السلام الذي يليها. فالحروب قد تغير الحدود، لكنها لا تمنح بالضرورة نفوذا دائما، والانتصارات العسكرية قد تحقق مكاسب آنية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء المكانة أو صناعة المستقبل. أما الدول التي تستطيع تحويل عناصر قوتها الوطنية إلى أمن مستدام، والأمن إلى تنمية، والتنمية إلى ثقة، فهي التي ترسم ملامح النظامين الإقليمي والدولي.

لقد دخل العالم مرحلة أعادت فيها القوة تعريف نفسها. فلم يعد التفوق العسكري وحده معيار المكانة، كما لم تعد الثروة الاقتصادية وحدها ضمانا للنفوذ، بل أصبح معيار التميز الحقيقي هو قدرة الدولة على الجمع بين الردع الرشيد، والاقتصاد المنتج، والمؤسسات الكفؤة، والدبلوماسية الفاعلة، والتقنية المتقدمة، في منظومة واحدة تنتج الاستقرار وتحافظ عليه.

ولا ينتقص ذلك من قيمة القوات المسلحة، فهي ستظل الضامن الأول لحماية السيادة وصون المصالح الوطنية وردع مصادر التهديد. غير أن التجارب الحديثة أثبتت أن أعظم نجاح للقوة لا يقاس بعدد الحروب التي تخوضها الدول، وإنما بعدد الحروب التي تمنعها، وبقدرتها على تهيئة البيئة الآمنة التي تزدهر فيها التنمية، ويتوسع فيها الاستثمار، ويطمئن فيها الإنسان إلى مستقبل وطنه.

ومن هنا، فإن الاستقرار لم يعد نتيجة تلقائية للقوة، بل أصبح أعلى درجات حسن إستخدامها. فالقوة التي لا تنتج استقرارا تستنزف نفسها مع الزمن، أما القوة التي تحمي الدولة، وتصون مؤسساتها، وتعزز ثقة مواطنيها وشركائها، فإنها تتحول إلى رصيد إستراتيجي يتراكم عاما بعد عام، حتى يصبح أحد أهم مصادر النفوذ المستدام.

وقد فرض الاقتصاد العالمي هذا التحول على الجميع. فالمستثمر لا يبحث عن الأسواق الواسعة وحدها، وإنما يبحث قبل ذلك عن البيئة المستقرة، وسيادة القانون، ووضوح التشريعات، واستمرار سلاسل الإمداد. ولذلك أصبح الاستقرار أصلا اقتصاديا بقدر ما هو ضرورة أمنية، وأصبح إنتاجه استثمارا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الاستثمار في الطاقة، أو التقنية، أو الموارد الطبيعية.

وفي الوقت نفسه، استعادت الجغرافيا البحرية أهميتها التاريخية، ولكن بصورة أكثر عمقا. فلم تعد البحار مجرد حدود طبيعية، بل أصبحت شرايين الاقتصاد العالمي، وممرات الطاقة، وطرق التجارة، والبنية التحتية الرقمية العابرة للقارات. ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب، أصبح أمن الملاحة البحرية ركنا أساسيا في استقرار الاقتصاد الدولي.

ومن هذا المنظور، لم تعد القوة البحرية الحديثة تقاس بعدد السفن والقطع القتالية فحسب، وإنما بقدرتها على حماية الممرات البحرية، وتأمين الموانئ والمنشآت الحيوية، وصون خطوط الطاقة والتجارة، والعمل وفق قواعد القانون الدولي، بما يحفظ سيادة الدول، ويعزز الثقة في النظام التجاري العالمي.

ولذلك، لم تعد القوة الوطنية الشاملة تعني إمتلاك جيش قوي فقط، أو اقتصاد قوي فقط، بل تعني القدرة على الجمع بين الردع، والتنمية، والدبلوماسية، والتقنية، والأمن السيبراني، والحوكمة الرشيدة، في منظومة واحدة تنتج الاستقرار وتحافظ عليه.

ومن هنا، يمكن التمييز بين نوعين من القوة. الأول قوة رادعة، تمنع العدوان وتحمي السيادة. والثاني قوة منتجة، تحول الأمن إلى تنمية، والتنمية إلى ازدهار، والازدهار إلى نفوذ يحظى بالثقة والاحترام. وعندما تجتمع القوتان في دولة واحدة، يصبح الاستقرار أعظم ما تنتجه الدولة، وأقوى ما تملكه.

لقد تغيرت قواعد المنافسة الدولية. فلم يعد السؤال الذي يشغل صناع القرار هو: من يملك القوة؟ بل أصبح: من يحسن توظيفها لإنتاج الاستقرار؟

وهنا يقف الشرق الأوسط أمام لحظة تاريخية فارقة. فهو يمتلك الموقع الجغرافي، والثروات الاستراتيجية، والممرات البحرية، والإمكانات البشرية، لكنه يقف أيضا عند مفترق طرق بين مشروع يجعل من الدولة الوطنية والاستقرار والتنمية أساسا للقوة، ومشروع آخر ما زال يرى في الأزمات والصراعات وسيلة لإنتاج النفوذ.

لقد أصبحت معادلة القوة في الشرق الأوسط تكتب بلغة مختلفة؛ فالدول التي تنتج الاستقرار هي التي ستقود المستقبل، أما الدول التي تنتج الأزمات فلن تجني إلا مزيدا من الاستنزاف.

فمن استطاع أن يقرأ هذا التحول مبكرا؟ وكيف أصبحت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي أمام فرصة تاريخية لتحويل الاستقرار إلى مصدر دائم للقوة والنفوذ، في إقليم يعاد تشكيله، وعالم يعيد تعريف موازين التأثير؟

*ذلك ما سيتناوله الجزء الثاني، بإذن الله تعالى.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.