*مذكرة التفاهم (مدار البحث).*

*مذكرة التفاهم (مدار البحث).*
*إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بعد توازن الكلفة.*
*قراءة إستراتيجية.*
*بعد أكثر من (100) يوم من المواجهة الأمريكية – الإيرانية الراهنة، برزت مذكرة التفاهم المتداولة بوصفها تطورا سياسيا وعسكريا مهما، غير أن القراءة العسكرية – الاستراتيجية تشير إلى أنها لا تمثل نهاية للحرب بقدر ما تمثل بداية مرحلة جديدة لإعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران والمنطقة بأسرها.*
ولا تقتصر آثار المذكرة على طرفيها المباشرين، بل تمتد إلى أمن الخليج العربي، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي، وحركة الطاقة العالمية، والتوازنات الإقليمية المرتبطة بإيران وإسرائيل ولبنان ومضيق هرمز. وهذا ما يمنحها بعدا استراتيجيا يتجاوز كونها مجرد ترتيبات لوقف القتال إلى محاولة إعادة تشكيل جزء من البيئة الأمنية والاستراتيجية في المنطقة.
جاءت المذكرة في وقت وصلت فيه البيئة العملياتية إلى درجة عالية من التشبع العسكري، مع إستمرار الضغوط الجوية والبحرية، وتزايد المخاوف على 【أمن الملاحة】 والطاقة، وارتفاع كلفة الاستمرار بالنسبة لجميع الأطراف. وفي مثل هذه الظروف لا تتوقف الحروب دائما بسبب انتصار أحد الأطراف، بل عندما تصبح كلفة إستمرارها أعلى من العائد المتوقع منها.
ومن هذا المنطلق، فإن أهم ما تكشفه المذكرة هو أن المؤشرات العملياتية لم تظهر أن هدف الحملة كان احتلال إيران أو إسقاط نظامها، كما لم تتمكن طهران من فرض إرادتها الاستراتيجية على خصومها أو تغيير التوازنات الإقليمية بصورة حاسمة. وعندما عجز الطرفان عن تحقيق أهدافهما القصوى، اتجها إلى 【إدارة الصراع】 بدلا من مواصلة استنزاف الموارد والقدرات.
عسكريا، تمكنت الولايات المتحدة من المحافظة على تفوقها العملياتي، وحماية المصالح الغربية، وتأمين حركة الملاحة الدولية، ومنع تحول الأزمة النووية إلى مرحلة أكثر خطورة. كما حافظت على قدرتها على التأثير في مسار التفاوض من موقع القوة، مع إبقاء 【البرنامج النووي】 الإيراني تحت ضغوط سياسية وأمنية مستمرة.
كما توحي البنود المتداولة بأن الهدف الأمريكي في هذه المرحلة لا يقتصر على احتواء البرنامج النووي الإيراني، بل يمتد إلى خفض كلفة الانخراط العسكري المباشر، ونقل مركز الثقل من المواجهة العسكرية إلى أدوات الضغط السياسي والاقتصادي طويلة الأمد.
وفي المقابل، إستطاعت إيران المحافظة على بقاء الدولة ومؤسساتها وقدراتها الأساسية، وتجنب الوصول إلى مرحلة الانهيار الاستراتيجي رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الكبيرة. وإذا نفذت البنود المتداولة كما وردت، فإن طهران لا تحقق مكاسب اقتصادية فقط، بل تعزز موقعها طرفا تفاوضيا رئيسيا في أي ترتيبات إقليمية أو دولية لاحقة، وهو ما يمثل مكسبا سياسيا موازيا للمكاسب الاقتصادية.
كما أن البنود المتعلقة بالعقوبات والصادرات النفطية والأصول المجمدة تشير بوضوح إلى أن الأولوية الإيرانية أصبحت 【إعادة الدمج الاقتصادي】 واستعادة القدرة المالية للدولة أكثر من البحث عن مكاسب عسكرية إضافية.
من جهة أخرى، لم تتناول المذكرة بصورة مباشرة مستقبل 【النفوذ الإقليمي】 الإيراني أو الأذرع الإرهابية المسلحة الخارجية المرتبطة به، وهو ملف سيظل مؤثرا في حسابات الأمن الإقليمي حتى لو تم التوصل إلى اتفاق نووي أو اقتصادي أوسع خلال المرحلة المقبلة.
وتعد إسرائيل من أكثر الأطراف متابعة وتأثرا بمخرجات أي إتفاق طويل الأمد، لأن أي ترتيبات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران ستنعكس بصورة مباشرة على الحسابات الأمنية الإسرائيلية وعلى مستقبل التوازنات الإقليمية برمتها.
كذلك لم تتناول المذكرة بصورة مباشرة مستقبل 【البرنامج الصاروخي الإيراني】، وهو أحد أهم عناصر الردع في العقيدة العسكرية الإيرانية وأحد أبرز مصادر القلق لدى خصومها الإقليميين والدوليين، الأمر الذي قد يجعل هذا الملف من أولى نقاط الخلاف عند الانتقال من مرحلة المذكرة المؤقتة إلى مرحلة الاتفاق النهائي.
أما من زاوية موازين القوى، فإن المذكرة تعكس حالة 【توازن الكلفة】 أكثر مما تعكس توازن القوة. فكل طرف ما زال يحتفظ بعناصر قوة مؤثرة، لكن أيا منهما لم يتمكن من تحقيق أهدافه القصوى بصورة كاملة، الأمر الذي دفعهما إلى البحث عن صيغة مؤقتة لتنظيم الصراع بدلا من توسيعه.
ومن منظور الأمن الإقليمي في الخليج العربي، فإن القيمة الاستراتيجية للمذكرة لا ترتبط بإيران أو الولايات المتحدة وحدهما، بل بما يمكن أن تحققه من خفض مخاطر استهداف الممرات البحرية ومنشآت الطاقة وتقليص إحتمالات الدخول في مواجهة إقليمية أوسع. كما أن إستقرار الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز يظل أحد أهم المؤشرات العملية على نجاح أي تفاهم مستقبلي.
*وعليه، فإن المذكرة لا تمثل اتفاق سلام نهائيا بقدر ما تمثل إطارا مؤقتا لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بعد حرب وصلت إلى نقطة 【توازن الكلفة】. فقد أوقف توازن الكلفة القتال، لكنه لم يحقق بعد توازن المصالح، وما زالت ملفات 【البرنامج النووي】 و【البرنامج الصاروخي الإيراني】 و【النفوذ الإقليمي】 و【الأمن البحري】 حاضرة في صلب المشهد، بما يؤكد أن التنافس الاستراتيجي بين الأطراف المعنية لم ينته، وإنما انتقل من ساحات المواجهة العسكرية إلى ميادين السياسة والاقتصاد وإعادة ترتيب موازين النفوذ في المنطقة.*
*( قد تتوقف الحروب عندما يصمت السلاح، لكن الصراعات لا تنتهي إلا عندما تتغير الحسابات التي صنعتها منذ البداية ) .*
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الخميس( 18 ) يونيو 2026م.*


