كُتاب الرأي

*إذا اختلف اللصوص انكشف أمرهم .*

*إذا اختلف اللصوص انكشف أمرهم .*

*رؤية تحليلية للكاتب .*

*تقدير موقف استراتيجي .*

*السبت الموافق (غرة) أغسطس 2026م .*

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.

*تعتمد هذه الرؤية التحليلية على قراءة شخصية ، على ضوء المصادر الإعلامية ( المفتوحة ) .*

*الموقف العام .*

(لا تقاس قيمة الأحداث بحجم الصخب الذي يرافقها، وإنما بما تكشفه من أنماط ثابتة في سلوك الدول والتنظيمات خلال مراحل الصراع.)

تكشف التجارب التاريخية أن الصراعات لا تقرأ من خلال العمليات العسكرية وحدها، بل من خلال ما يعقبها من مواقف سياسية، وتصريحات رسمية، وتحولات في الخطاب، وإعادة ترتيب الأولويات. فكثير من دلالات الأزمات لا تظهر أثناء ذروة المواجهة، وإنما تتجلى عندما تبدأ مرحلة التقييم والمراجعة، فتغدو البيانات والمواقف جزءا لا يتجزأ من المشهد الاستراتيجي.

ولهذا، فإن التحليل المهني لا يكتفي برصد الوقائع، بل يربطها بسياقها السياسي والقانوني والعسكري، ويبحث عن الأنماط المتكررة التي تحكم سلوك الأطراف خلال الأزمات، لأن هذه الأنماط كثيرا ما تكشف ما تعجز الوقائع المجردة عن إظهاره.

(ومن هنا بقي المثل العربي الخالد صالحا لكل زمان: إذا اختلف اللصوص ….، أنكشف أمرهم.)

*الحروب بالوكالة… بين المكاسب والكلفة .*

تشكل الحروب بالوكالة إحدى أبرز سمات البيئة الأمنية المعاصرة. ومن منظور هذه القراءة، فإن النظام الإيراني اعتمد، عبر سنوات، على جماعات إرهابية مسلحة حليفة في عدد من الساحات الإقليمية لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، وهو ما أسهم في زيادة تعقيد المشهد الأمني، وجعل كثيراً من الأزمات تتجاوز الإطار التقليدي للمواجهة بين الدول.

وقد تحقق هذه الآلية مكاسب مرحلية من منظور من يتبناها، لكنها تتحول مع مرور الوقت إلى عبء سياسي وقانوني، فتظهر التباينات في الخطاب والتنصل والإنكار والهروب من المسؤولية ، وتتبدل الأولويات، وتبدأ محاولات إعادة التموضع، فتغدو مرحلة ما بعد العمليات أكثر أهمية من العمليات نفسها في القراءة الاستراتيجية والاستخباراتية.

(مرحلة إعادة التموضع قد تكون، في القراءة الاستخباراتية، ذات دلالة لا تقل أهمية عن مرحلة التنفيذ.)

*الأمن الوطني… مسؤولية ومصلحة وطنية عليا.*

تؤكد المملكة العربية السعودية، في بياناتها الرسمية، أن حماية أمنها الوطني، وسيادتها، وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها، تمثل مسؤولية سيادية أصيلة، وأن الإجراءات التي تتخذها في هذا الإطار تستند إلى قواعد القانون الدولي، وإلى حق الدول في الدفاع المشروع عن نفسها ضمن الضوابط المقررة.

كما تؤكد أن أمن الخليج العربي، وسلامة الملاحة في مضيق هرمز، والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب، ترتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة العالمي، واستقرار التجارة الدولية، وسلامة سلاسل الإمداد، وهو ما يجعل المحافظة عليها مسؤولية تتجاوز الإطار الإقليمي إلى البعد الدولي.

*الدفاع المشروع… حق تكفله الشرعية الدولية.*

ينص ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الحادية والخمسين، على حق الدول في الدفاع المشروع عن نفسها إذا تعرضت لاعتداء مسلح، مع مراعاة مبادئ الضرورة والتناسب، واحترام قواعد القانون الدولي.

(الدفاع المشروع عن النفس حق أصيل تكفله الشرعية الدولية.)

ويظل الالتزام بهذه المبادئ أساسا للموازنة بين حماية الأمن الوطني والمحافظة على النظام الدولي القائم على احترام القانون.

*التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات… نقلة في الأمن الجماعي.*

يمثل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، الذي أعلنت عنه المملكة العربية السعودية، خطوة استراتيجية نحو تعزيز التعاون الدولي لحماية الممرات البحرية، وصون حرية الملاحة، ودعم استقرار التجارة الدولية، وتأمين إمدادات الطاقة، وفقا لما أعلنته الجهات الرسمية.

(الأمن البحري لم يعد شأنا إقليميا فحسب، بل أصبح مسؤولية دولية مشتركة.)

ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن أمن الخليج العربي، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز، ومضيق باب المندب، يرتبط ارتباطا وثيقا باستقرار الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام بالتعاون البحري متعدد الجنسيات.

*الردع والدبلوماسية الهادئة … مساران متكاملان.*

تعكس المواقف الرسمية للمملكة حرصها على الجمع بين حماية الأمن الوطني، ودعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، وتشجيع المبادرات الدبلوماسية والوساطات الهادفة إلى تعزيز الأمن والاستقرار.

كما تؤكد أهمية استقرار دول المنطقة، وحماية الممرات البحرية، وتوفير البيئة الملائمة للتنمية والازدهار، باعتبارها مصالح مترابطة تخدم الأمن الإقليمي والدولي.

(الردع المشروع والدبلوماسية الفاعلة مساران متكاملان في إدارة الأزمات.)

*الدول الراسخة… تبني الأمن ولا تنتظر الأزمات.*

(الدول الكبيرة لا تقيس نجاحها بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على منعها وصناعة الاستقرار.)

لقد أثبتت التجارب أن الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعتمد على القدرات العسكرية وحدها، بل يقوم كذلك على كفاءة المؤسسات، وقوة الاقتصاد، والشراكات الدولية، والدبلوماسية الفاعلة، والجاهزية لإدارة الأزمات قبل تفاقمها. ومن ثم، فإن الاستثمار في الوقاية، وتعزيز التعاون، وحماية الممرات البحرية، لا يقل أهمية عن بناء القدرات الدفاعية.

*ساعة المحاسبة لوقف العدوان الصائل .*

عندما تبدأ مرحلة استهداف مصادر التهديد والعدوان ، تبدأ معها مرحلة أخرى لا تقل أهمية، وهي تقييم النتائج، وتحليل المواقف، وقراءة التحولات في الخطاب السياسي، وما قد يصاحبه من تغير في الروايات أو إعادة تموضع في المواقف. وتمثل هذه المرحلة، في نظر المحلل الاستراتيجي، مصدرا مهما لفهم اتجاهات الأزمة، واستشراف مساراتها المستقبلية.

(ساعة المحاسبة هي أكثر مراحل الصراع قدرة على كشف المستور.)

*التقدير الاستراتيجي.*

تدل المؤشرات العامة على أن الصراعات الحديثة أصبحت متعددة الأبعاد؛ فهي عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وقانونية، وإعلامية في آن واحد. كما أن نجاح الدول في إدارة الأزمات يقاس بقدرتها على الجمع بين حماية أمنها الوطني، واحترام القانون الدولي، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، ودعم الحلول السياسية كلما توافرت فرصها.

*الخاتمة.*

(الأحداث لا يطمسها الإنكار، والحقائق لا تمحوها الروايات.)

إن القراءة الاستراتيجية الرصينة لا تبنى على الانفعال، وإنما على تحليل الوقائع المعلنة، وربطها بأنماط السلوك المتكررة، واستشراف آثارها في الأمن الإقليمي والدولي. كما أن احترام سيادة الدول، وصون أمن الملاحة، وحماية المدنيين، وتعزيز التعاون الدولي، تمثل مرتكزات أساسية لتحقيق الاستقرار المستدام.

ويبقى تقدير الموقف الاستراتيجي الأداة الأقدر على التمييز بين صخب الأحداث والاتجاهات التي تصنع المستقبل.

*(إذا اختلف اللصوص انكشف أمرهم ) .*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.