حين تصبح الأخلاق مقايضة

من هنا وهناك
حين تصبح الأخلاق مقايضة
عبدالله بن سالم المالكي
من المؤسف أن تتحول بعض العلاقات الإنسانية في حياتنا إلى ما يشبه دفتر الحسابات زيارة بزيارة ودعوة بدعوة واتصال باتصال وتهنئة بتهنئة حتى العزاء الذي يفترض أن يكون موقفًا إنسانيًا خالصًا أصبح عند البعض خاضعًا لمنطق المقايضة والله المستعان !!!
وهنا تفقد الأخلاق شيئاً من معناها الجميل وتتحول من قيمة نابعة من النفس إلى عملية مقايضة تنتظر المقابل.
وللأسف الشديد أصبحنا نسمع من يقول: فلان لم يحضر مناسبتي فلماذا أحضر مناسبته؟ !! وفلان لم يتصل بي فلن أتصل به! وفلان لم يهنئني فلن أهنئه!! وكأن العلاقات بين الناس عقود تجارية لا بد أن تتساوى فيها الايرادات والمصروفات!!!
والحقيقة أن هذه الثقافة وإن بدت للبعض نوعًا من حفظ الكرامة فإنها قد تكون سببًا في جفاف العلاقات واتساع المسافات بين الأقارب والأصدقاء والجيران والزملاء.
فالإنسان قد يغيب عن مناسبتك لعذر لا تعرفه وقد ينسى تهنئتك دون أن يكون في قلبه شيء تجاهك فهل من الحكمة أن نبني على كل غياب موقفًا وعلى كل تقصير خصومة وعلى كل نسيان قطيعة؟!!
الأخلاق الحقيقية لا تظهر عندما يعاملك الآخرون كما تحب وإنما تتجلى حين تحافظ على أصلك الجميل وتربيتك الحسنة حتى عندما يقصّر الآخرون.
صلة الرحم لا ينبغي أن تكون مكافأة لمن وصلك فقط والسؤال عن المريض ليس ردًا لدين سابق ومواساة الحزين ليست مجاملة اجتماعية ننتظر مقابلها والوقوف مع الناس في أزماتهم لا ينبغي أن يخضع لحسابات الربح والخسارة فهناك أفعال نفعلها لأن أخلاقنا تفرضها علينا.
كم من أقارب فرّقت بينهم هذه الحسابات الصغيرة هذا ينتظر اتصال ذاك وذاك ينتظر زيارته وكل واحد منهم يقول: لماذا أبدأ أنا؟! فتمر الأيام ثم الشهور وربما السنوات ويكبر الجفاء بسبب التعالي وعدم التنازل ولم يتذكر أحدهم أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : وخيرهما الذي يبدأ بالسلام .
إن المبادر بالسلام لا يخسر والسائل عن الغائب لا ينتقص من قدره ومن يصل من قطعه لا يهدر كرامته بل إن المبادرة دليلاً على الحكمة ونضج العقل والثقة بالنفس.
وليست الدعوة إلى التسامح والمبادرة دعوة إلى قبول الإساءة المتكررة أو التفريط في الكرامة فهناك فرق كبير بين كرم الأخلاق وإهدار الحقوق.
من حق الإنسان أن يضع حدودًا أمام من يؤذيه لكن ليس من الحكمة أن يجعل كل تقصير عابر إساءة وكل غياب موقفًا وكل نسيان عداوة.
نحن بحاجة إلى ثقافة اجتماعية أكثر رحابة نلتمس فيها الأعذار قبل أن نصدر الأحكام ونبادر قبل أن نعاتب ونحسن لأن الإحسان يمثلنا أكثر من غيرنا.
فالأخلاق عندما ترتبط بالمقابل تفقد كثيرًا من نقائها والذي لا يقدم الخير إلا لمن قدمه له ولا يزور إلا من زاره ولا يسأل إلا عمن سأل عنه قد يحافظ على توازن حساباته لكنه يخسر شيئًا من جمال العلاقات الإنسانية.
كن أنت صاحب الخطوة الأولى ليس لأن الناس دائمًا يستحقون ولكن لأن أخلاقك تستحق أن تبقى جميلة.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في تسجيل المواقف وحساب الزيارات وعدّ المكالمات والقلوب أكرم من أن تتحول إلى دفاتر للديون.
وحين تصبح الأخلاق مقايضة تفقد معناها لأن أجمل ما في المعروف أن تفعله دون أن تسأل عن النتايج ودمتم في سعادة دائمة.
كاتب رأي ومستشار أمني


