كُتاب الرأي

اللحمة الوطنية.. سياج الوطن ومصدر قوته

 

من هنا وهناك

اللحمة الوطنية.. سياج الوطن ومصدر قوته

عبدالله بن سالم المالكي

لا تُقاس قوة الأوطان بما تمتلكه من ثروات وإمكانات مادية، ولا بما تشيده من مدن ومشروعات بل إن من أهم عناصر قوتها ذلك الترابط المتين بين أبنائها وشعورهم بأنهم شركاء في وطن واحد تجمعهم هوية واحدة ومصير مشترك وأن أمن الوطن واستقراره ومكتسباته مسؤولية الجميع.

والمملكة العربية السعودية بفضل الله تقدم نموذجًا راسخًا في اللحمة الوطنية التي تشكلت جذورها مع توحيد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- لهذه البلاد وجمع شتاتها تحت راية واحدة فتحولت الفرقة إلى وحدة والتنازع إلى استقرار وأصبح المواطن في مختلف مناطق المملكة يشعر بأنه جزء من كيان كبير يجمعه بإخوانه الدين والوطن والقيادة والمصير.

وقد أثبتت التجارب أن اللحمة الوطنية تظهر قيمتها الحقيقية في المواقف الصعبة فعندما تواجه الأوطان الأزمات والتحديات، تتراجع الاختلافات الفردية والمناطقية والاجتماعية، ويتقدم الوطن على ما سواه. وفي المملكة كثيرًا ما جسّد المواطنون هذا المعنى من خلال الالتفاف حول قيادتهم والوعي بمسؤوليتهم تجاه أمن وطنهم واستقراره ومقدراته.

ففي عام 1990 عندما غزا العراق دولة الكويت واجهت المنطقة واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها دول الخليج في العصر الحديث وفي تلك الظروف برزت أهمية التكاتف الوطني والاستعداد للدفاع عن الوطن وتجسدت روح المسؤولية لدى أبناء المملكة في مختلف مواقعهم حيث كان الوطن وأمنه فوق كل اعتبار.

وعندما عمت ثورات الربيع العربي عددًا من العواصم العربية أثبت المجتمع السعودي قدرته على المحافظة على استقراره وتماسكه والالتفاف حول قيادته في وقت كانت فيه المنطقة تمر بمرحلة شديدة الاضطراب وكان ذلك التماسك أحد مظاهر الوعي بأهمية الاستقرار وخطورة الفوضى وضرورة المحافظة على مكتسبات الوطن حتى قال سمو وزير الداخلية آنذاك صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز يرحمه الله لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله : هنيئاً لكم يا خادم الحرمين الشريفين بهذا الشعب السعودي العظيم وهنيئاً للشعب السعودي بكم.

وعندما اجتاح فيروس كورونا العالم في نهاية عام 2019 كان المجتمع السعودي نموذجًا في التكاتف والتعاون وأظهر المواطنون والمقيمون التزامًا كبيرًا بالتعليمات والإجراءات الاحترازية وتعاونوا مع الجهات الحكومية للحد من انتشار الوباء وكانت تلك المرحلة اختبارًا حقيقيًا لمدى وعي المجتمع وقدرته على تقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الفردية.

وفي الأزمات الإقليمية المتلاحقة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ظهر كذلك تماسك المجتمع السعودي ووعيه بأهمية المحافظة على أمن الوطن واستقراره، والالتفاف حول قيادته
والثقة في حكمتها في التعامل مع الأحداث والتحديات بعيدًا عن الانجرار وراء الشائعات أو المواقف غير المسؤولة.

وتؤكد هذه الأمثلة أن المجتمع السعودي على اتساع رقعة المملكة وتنوع مناطقها ولهجاتها وعاداتها وتراثها المحلي استطاع أن يجعل من هذا التنوع مصدر ثراء لا سببًا للاختلاف فأبناء الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط تجمعهم هوية سعودية واحدة وتبقى الخصوصيات الثقافية لكل منطقة جزءًا جميلًا من الصورة الوطنية الكبرى لا حاجزًا يفصل أبناء الوطن بعضهم عن بعض.

ولعل من أهم ما يحافظ على هذه اللحمة الوطنية التي نفخر بها ونفاخر الابتعاد عن العصبيات القبلية والمناطقية والمذهبية وكل أشكال التصنيف الاجتماعي التي تحاول تقديم الانتماءات الصغيرة على الانتماء الأكبر للوطن فالقبيلة والمنطقة والأسرة مكونات اجتماعية محل اعتزاز لكنها حين تتحول إلى أدوات للمفاضلة أو التعصب أو الانتقاص من الآخرين تصبح خطرًا على النسيج الاجتماعي الذي ينبغي أن يبقى متماسكًا.

وفي هذا العصر الذي ننعم فيه بتعدد وسائل التواصل الاجتماعي وما توفره من فرص واسعة للتواصل والمعرفة أصبحت المحافظة على الوحدة الوطنية مسؤولية أكبر فالكلمة التي كانت في الماضي لا تتجاوز مجلسًا محدودًا أصبحت اليوم قادرة على الوصول إلى الملايين في دقائق ومن هنا فإن نشر الشائعات وإثارة النعرات وتضخيم الأخطاء الفردية وتحويلها إلى صراع بين مناطق أو فئات المجتمع ممارسات ينبغي مواجهتها بالوعي والحكمة وعدم الانسياق خلف كل ما يثار في الفضاء الإلكتروني.

واللحمة الوطنية لا تعني غياب الاختلاف في الآراء فالمجتمعات الحية تتعدد فيها وجهات النظر وإنما تعني أن يكون الاختلاف تحت سقف الوطن وأن يبقى الاحترام حاضرًا، والمصلحة العامة مقدمة على المصالح الشخصية وأن لا يتحول اختلاف الرأي إلى خصومة تمس الثوابت أو تسيء إلى المجتمع ومؤسساته.

كما أن تعزيز اللحمة الوطنية مسؤولية تبدأ من الأسرة، التي تغرس في أبنائها حب الوطن واحترام الآخرين ثم المدرسة التي تعزز قيم المواطنة والانتماء وتمتد إلى المسجد والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع كافة وقد أكدت الجهات التعليمية والمؤسسات الوطنية أهمية تعزيز الهوية الوطنية والمواطنة وغرس قيم الانتماء والمسؤولية لدى النشء.

ومع ما تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030 من تحولات تنموية واقتصادية واجتماعية واسعة تزداد أهمية اللحمة الوطنية لأن المشروعات الكبرى لا تبني المستقبل وحدها بل يبنيه الإنسان الذي يؤمن بوطنه ويشارك في نهضته ويحافظ على مكتسباته وقد أولت رؤية المملكة أهمية للهوية الوطنية والمسؤولية الاجتماعية بما يعزز دور المواطن في مسيرة التنمية كما أن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني يولي التلاحم الوطني والتعايش المجتمعي أهمية واضحة ضمن برامجه ومبادراته.

إن الوطنية الحقيقية ليست كلمة تُقال في مناسبة ولا علمًا يُرفع في يوم ثم يُطوى وإنما هي سلوك يومي يظهر في المحافظة على الممتلكات العامة واحترام الأنظمة والإخلاص في العمل ومساعدة الآخرين، والتصدي للشائعات واحترام التنوع الاجتماعي والدفاع عن سمعة الوطن والمشاركة الإيجابية في تنميته.

وقد أدركت المملكة أهمية قياس وتعزيز هذا الجانب اجتماعيًا إذ أُعد «مؤشر التلاحم الوطني» ليقيس السلوكيات والممارسات المرتبطة بالتلاحم الوطني ويشمل أربعة أبعاد رئيسية هي: التلاحم الاجتماعي، والتلاحم السياسي، والتلاحم الاقتصادي، والتلاحم الأمني بهدف دعم قيم الوحدة وترسيخ الثوابت الوطنية وتعزيز التماسك الاجتماعي.

إن اللحمة الوطنية ليست خيارًا اجتماعيًا فحسب بل هي ضرورة أمنية وتنموية وحضارية فالوطن الذي تتماسك جبهته الداخلية يصعب اختراقه والمجتمع الذي يدرك أفراده أن اختلاف مناطقهم وقبائلهم وأفكارهم لا يلغي وحدة مصيرهم هو مجتمع قادر على تجاوز الأزمات ومواصلة البناء.

وستبقى المملكة -بإذن الله- قوية، بعد الله بقيادتها وشعبها وبذلك الرابط المتين الذي جمع أبناءها على امتداد تاريخها الحديث فحين يكون الوطن فوق الاختلاف والمصلحة العامة فوق المصالح الشخصية والتكاتف في مواجهة التحديات منهجًا ثابتًا تصبح اللحمة الوطنية سياجًا يحمي الوطن وقوة تدفعه نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.

كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

لواء.م - كاتب صحفي - مستشار أمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.