كُتاب الرأي
متى تحوّل الوعي النفسي إلى لغة نحاكم بها الآخرين؟

متى تحوّل الوعي النفسي إلى لغة نحاكم بها الآخرين؟
أماني بنت عبدالله البهكلي
كان من المفترض أن تساعدنا المعرفة النفسية على أن نفهم الإنسان أكثر، فإذا ببعضنا يستخدمها ليتخلّص من عناء فهمه أصلًا. كلمة واحدة تكفي: نرجسي، سام، متلاعب، متجنّب، مصاب بتروما، ثم يُغلق الملف، وكأننا لم نعد أمام إنسان معقّد له تاريخ وخوف وضعف وتناقض، بل أمام تشخيص جاهز يصلح أن يُطبع على جبينه.
دخلت اللغة النفسية إلى حياتنا من الباب باعتبارها أداة للوعي، ثم خرجت من النافذة وهي تحمل مطرقة قاضٍ.
لم يعد غريبًا أن يصف أحدهم شخصًا اختلف معه مرة بأنه نرجسي، أو أن تصبح المطالبة بالحق سُمّية، والعتاب ابتزازًا، والانزعاج تروما، وكل موقف لا يرضينا نوعًا من التلاعب. ولا مشكلة في أن تصل المصطلحات النفسية إلى الناس، بل ربما كان من أجمل مكاسب هذا العصر أن نتعلم معنى الحدود النفسية، والتعلق، والعلاقات المؤذية، وأن نفهم أن بعض الألم ليس قدرًا يجب احتماله.
المشكلة تبدأ حين تنتقل المعرفة من كونها مصباحًا نرى به، إلى سكين نقطع بها الآخرين.
فاللغة النفسية، حين تُنتزع من سياقها، تمنحنا يقينًا سريعًا، واليقين مريح، أما الإنسان فمتعب؛ يحتاج إلى وقت وسياق واحتمالات وإعادة نظر. كلمة مثل «نرجسي» توفر علينا مشقة الفضول: لماذا فعل؟ هل يتكرر السلوك؟ هل كان يقصد؟ أم أنه أخطأ كما يخطئ البشر؟
خذوا كلمة «النرجسية» مثلًا، فقد اتسعت حتى كادت تشمل كل من يحب نفسه، أو يضع حدودًا، أو يرفضنا، أو ينجح أكثر مما نحتمل. والحقيقة أن اضطراب الشخصية النرجسية ليس مرادفًا للغرور، ولا للأنانية العابرة، ولا لسلوك سيئ وقع مرة. قد يكون الإنسان متكبرًا أو حساسًا للنقد أو مؤذيًا، ومع ذلك لا يمنحنا ذلك حق تحويل صفاته إلى تشخيص.
المثير أننا أحيانًا لا نكتفي بوصف الفعل، فنقول: «هو تجاهلني»، بل نحتاج إلى عبارة أثقل: «يمارس العقاب بالصمت». لا نقول: «كذب»، بل: «يتلاعب بإدراكي». لا نقول: «العلاقة أتعبتني»، بل: «العلاقة سامة». كأن الألم العادي لم يعد يحظى بما يكفي من الشرعية ما لم يرتدِ معطفًا طبيًا.
وربما لأن قولنا «جرحني» يجعلنا مكشوفين، أما قولنا «هو شخص سام» فيمنحنا تفوقًا أخلاقيًا. الأولى تتحدث عن ألمنا، والثانية تصدر حكمًا عليه، الأولى تحتاج شجاعة الاعتراف، والثانية تمنح راحة الاتهام.
حتى كلمة «التلاعب» أصابها التضخم. نعم، هناك تلاعب حقيقي، وهناك من يستخدم الذنب والخوف والانسحاب والإنكار للسيطرة على الآخرين، لكن ليس كل محاولة إقناع تلاعبًا، ولا كل انفعال ابتزازًا، ولا كل من قال: «أنا حزين بسبب ما فعلت» يمارس ضغطًا نفسيًا. أحيانًا يكون حزينًا فعلًا.
وأحيانًا نحن الذين لا نحب أن نسمع أثر أفعالنا، فنسمّي مطالبة الآخر لنا بالمراجعة «تلاعبًا»، لأنها تعفينا من السؤال الأصعب: هل أخطأت أنا هذه المرة؟
أما «التروما»، فقد صارت مظلة واسعة يدخل تحتها الحزن والرفض والخجل والفشل والذكريات الثقيلة. والصدمة النفسية مفهوم حقيقي وعميق، لكن تحويل كل تجربة مؤلمة إلى تروما لا يخدم الإنسان دائمًا؛ فالحياة تحتوي على خسارات لا بد أن تؤلم، وعلى خيبات لا تعني بالضرورة أن النفس تحطمت.
الخطر الأكبر يبدأ حين تتحول اللغة النفسية إلى هوية ثابتة: أنا صاحب تروما، وأنت نرجسي، وهي متجنبة، وهو سام. وهكذا يصبح البشر أسرى الكلمات التي أُلصقت بهم، كأنهم لا يندمون، ولا يتعلمون، ولا يتغيرون.
قد تبدو هذه اللغة متقدمة، لكنها في بعض صورها تعيد أقدم عادة بشرية: التصنيف. قديمًا قلنا بخيل، لئيم، شرير، واليوم نقول نرجسي، توكسيك، متلاعب. الفرق أن الكلمات الجديدة ترتدي نظارات وتبدو أكثر علمية.
لكن الظلم، حتى إذا ارتدى مصطلحًا نفسيًا، يبقى ظلمًا.
ليس المطلوب أن نتخلى عن هذه الكلمات، ولا أن نسكت عن الأذى باسم التسامح. من حق الإنسان أن يضع حدودًا، وأن يغادر علاقة تؤذيه، وأن يرفض سلوكًا لا يناسبه. لكن هناك فرقًا بين أن أقول: «هذا السلوك يجرحني ولا أقبله»، وأن أقول: «أنت شخص سام». الأولى تصف ما حدث، والثانية تدّعي أنها عرفت الإنسان كله.
وربما يكون هذا هو الامتحان الحقيقي للوعي: ليس كم مصطلحًا نحفظ، بل كم مرة نستطيع أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نضع حدودًا من غير أن نشوّه الآخر، وأن نعترف بأن شخصًا آذانا من غير أن نحتاج إلى تحويله إلى وحش حتى يصبح ألمنا شرعيًا.
من حقك أن تقول: هذا الإنسان أتعبني، بلا تشخيص، وبلا تقرير نفسي، وبلا محكمة. يكفي أحيانًا أن نعترف بأن شخصين لم يعرفا كيف يكونان جيدين لبعضهما.
فالوعي الحقيقي لا يجعلنا قضاة أفضل، بل أقل استعجالًا في إصدار الأحكام، وربما تكون أجمل علامة على النضج أن نستطيع أن نقول: لقد أخطأ معي، وربما أخطأت معه، لم يكن ملاكًا، ولم يكن شيطانًا، كانت علاقة بشرية ناقصة بين شخصين ناقصين.
ذلك أقل إثارة من كلمة «نرجسي»، بالتأكيد، لكنه في كثير من الأحيان أكثر صدقًا.