كُتاب الرأي

كلّ الطرق تؤدي إلى الثلاجة

كلّ الطرق تؤدي إلى الثلاجة

لماذا نفتح الثلاجة ونحن نعرف ما بداخلها؟

نفتح الثلاجة ونحن نعرف ما فيها، كما نعود إلى الرسائل القديمة ونحن نحفظ نهاياتها، وكما نحدّق في الطريق بعد رحيل من نعلم أنه لن يعود، لا لأن الذاكرة خانتنا، بل لأن في الإنسان شيئًا عجيبًا يأبى أن يسلّم للمعرفة ما دام في الإمكان أن يجرّب الأمل مرة أخرى، ولو على هيئة باب أبيض، ومصباح صغير، ورفّ لم يطرأ عليه جديد.

وليس الأمر، كما يتوهّم المتعجّلون، عجزًا عن تذكّر علبة الجبن أو موقع زجاجة الماء، فالمرء قد يعرف المحتويات معرفة صاحب الدار بغرفها، ثم يقف أمامها متأمّلًا كأنه يزور معرضًا تغيّرت لوحاته في غيبته، فإن قيل له: ماذا تبحث عنه؟ أجاب: لا شيء، وهذه الـ«لا شيء» بالذات هي أكثر الأشياء تعقيدًا، إذ كيف يبحث المرء عما لا اسم له، ثم يشعر بالخيبة حين لا يجده؟

نحن لا نفتح الثلاجة دائمًا لأننا جائعون، فالجوع واضح الطلب، مستقيم الحجّة، لا يحتاج إلى تفتيش طويل، لكن الملل جوع يتنكّر، والضيق رغبة تتردّد في إعلان اسمها، والتعب يساومنا على مكافأة صغيرة، فندخل المطبخ بحثًا عن طعم يقطع رتابة الساعة، أو برودة تفصل بيننا وبين حرارة يوم أثقل الروح، وقد نغلق الباب دون أن نأخذ شيئًا، لأننا لم نكن نفتّش عن طعام أصلًا.

وثمة فرق لطيف بين أن تعرف ما تملك وأن ترضى بما تملك، فأنت تعرف أن الرف العلوي يحمل بقايا الأمس، وأن الدرج الأخير لا يخفي مفاجأة، ومع ذلك تمنح الأشياء فرصة أخرى لتدهشك، كأن قطعة الحلوى التي لم تشتهها قبل ساعة قد تتعلّم في غيابك فنّ الإغراء، وكأن المربّى ستعتذر عن عاديّتها وتتحوّل إلى وليمة، وللإنسان قدرة مدهشة على إعادة امتحان الوقائع الثابتة، ثم التعجّب من ثباتها.

ولو عُرضنا على مجلس من أهل المنطق، لأدهشهم هذا المخلوق الذي يتفقّد الثلاجة خمس مرات ثم يشكو أنه لم يجد شيئًا، بينما تكاد الرفوف تضيق بما فيها، غير أن شكواه ليست شهادة بفقر الطعام، بل بقصور الموجود عن ملاقاة المطلوب، وكثيرًا ما نسرف في تعداد النعم حين يعجز واحد منها عن سدّ حاجة لا تتصل به، فليس من العدل أن نكلّف الجبن إصلاح مزاجنا، ولا أن نعاتب التفّاح لأنه لم يُبدّل أخبار النهار.

وللعادة سلطان لا يحتاج إلى أمر مكتوب، يكفي أن ترتبط وقفة المطبخ بانفراج عابر حتى تعيدنا إليها أقدامنا قبل أن نستشير عقولنا، فنمدّ اليد إلى المقبض كما نضغط زرّ المصعد ثانية وقد استجاب من المرة الأولى، ثم نفاجأ بأننا هناك، كأن الجسد سبق الفكر إلى موعد لم نتفق عليه، وما أغرب الإنسان حين يطلب من الأشياء أن تفاجئه، بينما هو الذي يكرّر الزيارة بالطريقة نفسها وفي الساعة نفسها وبالتوقّع نفسه.

وفي طفولتنا كنّا نفتحها لسبب آخر، إذ كان الباب البارد صندوق احتمالات، وربما خبّأت أمّ في أعماقه نصيبًا من حلوى، أو فاكهة قُطّعت بعناية، أو مفاجأة لا يعرفها إلا من سبق إلى المطبخ، ثم كبرنا وبقيت الحركة، وغاب من كان يملأ الأشياء بمعناها، فصار بعضنا يفتّش، دون أن ينتبه، عن زمن كانت فيه المفاجآت تُحضّر له بيد محبّة، لا تُشترى على عجل.

وإذا تأمّلنا حياتنا وجدنا أننا نمارس الفعل نفسه خارج المطبخ، نفتح الهاتف بعد دقيقة من إغلاقه، ونتفقّد البريد الذي لم يصل، ونعيد زيارة الحساب الذي لم ينشر جديدًا، ونعود إلى علاقة استنفدت أعذارها، لا لأننا نجهل محتواها، بل لأننا نراهن سرًّا على أن الغياب قد أنجز معجزة، وهنا يغدو السؤال أقل طرافة وأشدّ إيلامًا: كم بابًا نعيد فتحه ونحن نعرف ما وراءه؟

غير أنّ في هذا التكرار وجهًا رحيمًا أيضًا، فليس كل ترقّب سذاجة، ولا كل أمل خداعًا للنفس، أحيانًا نحتاج إلى حركة صغيرة نؤجّل بها قرارًا كبيرًا، أو نستريح عندها من فكرة ثقيلة، أو نقول بها لأنفسنا إن الخيارات لم تُستنفد بعد، وحتى ذلك الضوء الذي يشتعل حالما نفتح الباب يشبه وعدًا متواضعًا بأن شيئًا ما سيظهر، ولو لم يظهر غير ترتيب الأشياء الذي نعرفه.

لعل الحكمة ليست في أن نتوقّف عن فتح الثلاجة، بل في أن نسأل أنفسنا قبل المرة السادسة: ما الذي أريده حقًّا؟ لقمة، أم تسلية، أم راحة، أم خبرًا سعيدًا، أم يدًا حانية تجعل هذا اليوم أخفّ؟ حين نسمّي حاجتنا نستطيع أن نطلبها من موضعها، فلا نظلم الطعام بما لا يطيق، ولا نظلم قلوبنا بتقديم بدائل باردة عمّا تحتاج إليه من دفء.

سنفتح الثلاجة غدًا، على الأرجح، وسنجد الأشياء حيث تركناها، وسنبتسم لهذا العبث الإنساني الصغير، لكن لعلّنا نتعلّم منه أمرًا أكبر: ليست كل الأبواب التي نطرقها تحمل جديدًا، وليس كل ما نفتّش عنه موجودًا خلف باب، ففي أحيان كثيرة لا ننتظر أن تتغيّر محتويات الثلاجة، بل ننتظر، دون أن نعترف، أن يتغيّر شيء فينا.

أماني بنت عبدالله البهكلي 

كاتبة رأي

 

 

أماني عبدالله البهكلي

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.