كُتاب الرأي

يرجى عدم الجلوس على السيرة الذاتية

يرجى عدم الجلوس على السيرة الذاتية

تخيّل شخصًا يرسم شجرة، تميل أغصانها قليلًا، ويبدو جذعها أقل ثقة مما ينبغي لشجرة، لكنه سعيد بها، حتى يأتيه السؤال الذي يملك قدرة عجيبة على إفساد الأشياء الجميلة بلباقة، «هل فكّرت أن تبيع لوحاتك؟»، فجأة، يدخل إلى الورقة ما لم يكن فيها، زبائن محتملون، وأسعار، ومعارض، وفنان آخر يعرف كيف يجعل الشجر يقف مستقيمًا، أما شجرتنا المسكينة، التي نبتت لتمنحه ساعة لطيفة، فقد صار مطلوبًا منها أن تؤسس مشروعًا، وتثبت جدارتها بالسوق، وربما تفتح حسابًا تجاريًا قبل أن تنتهي أوراقها، وهكذا تتحول لحظة بريئة من العبث المحبب إلى مقابلة عمل، ويصبح السؤال الذي لم يخطر في بال صاحبها أصلًا، ماذا سأفعل بهذه الموهبة؟
 
ليس السؤال شريرًا بالضرورة، فقد يقوله شخص يحبنا ويظن أنه يفتح لنا بابًا، لكنه يفتح أحيانًا بابًا آخر داخل رؤوسنا، باب المقارنة، فقبل دقائق كان الرسام منشغلًا بدرجة الأخضر، وبالطريقة التي تستقر بها أغصانه على الورق، أما الآن فيحدّق في أخطائه، يقيس المسافات، ويتساءل عما إذا كانت لوحته تستحق أن تُرى، كأن ساعة الراحة صارت مطالبة بتقديم تقرير أداء، والأسوأ أننا نتقن ممارسة هذا الاستجواب على أنفسنا، فلا نحتاج دائمًا إلى جمهور، يكفي أن نمسك فرشاة أو كتابًا حتى ينهض في داخلنا موظف صغير، يحمل ملفًا ويسأل بجدية لا تُحتمل، وما العائد؟ وحينها لا يعود السؤال هل استمتعت، بل هل أصبحت أفضل من الأمس، وكأن الفرح يحتاج إلى شهادة تثبت أحقيته بالوجود.
 
والأمر لا يخص الرسم وحده، فهناك قارئة تحب أن تنهي الرواية ثم تبقى قليلًا في عالمها، فإذا بأحدهم يقترح أن تبدأ بمراجعة الكتب ونشر تقييماتها، وهناك امرأة تجيد إعداد فطيرة يحبها أهل بيتها، فيقال لها إن مكانها الطبيعي متجر حلويات، ومَن يتعلم لغة جديدة لأنه يستمتع بمذاق الكلمات، يُسأل متى سيبلغ مستوى الاحتراف، ومتى سيحصل على شهادة، ولأن الناس كثيرًا ما يقصدون التشجيع، يصعب الاعتراض دون أن نبدو كأننا نرفض الفرص، مع أن ما نرفضه أحيانًا ليس الفرصة، بل الفكرة الخفية وراءها، أن الشيء الجميل لا يكتمل جماله حتى يتحول إلى شيء منتج، قابل للبيع أو القياس أو العرض.
 
لكن من قال إن الهواية يجب أن تتقدم إلى الصف الأول؟ من حق الإنسان أن يكون مبتدئًا في شيء ما، بل أن يبقى مبتدئًا سعيدًا، أن يرسم أشجارًا مائلة، ويلتقط صورًا تهرب منها الإضاءة، وينطق كلمات أجنبية بلكنة تضحكه، دون أن يشعر بأنه مدين للعالم بإتقانها، ففي العمل نُحاسب على النتائج، وفي الدراسة نُختبر، وفي علاقاتنا نحرص على ألا نخيّب الظنون، ألا يحق لنا أن نحتفظ بركن صغير لا يضع أحد فوق بابه لوحة «يرجى إثبات الكفاءة»؟ إن تحويل كل ميل إلى منافسة يسلبنا متعة نادرة، متعة المحاولة التي لا ترتجف أمام الحكم، وربما كان بعض الجمال في أن نمارس الأشياء كما يلعب الأطفال، لا لأنهم الأفضل فيها، بل لأنهم حاضرون تمامًا وهم يفعلونها.
 
ولنُنصف الطموح أيضًا، فليس في بيع اللوحات جريمة، ولا في تحويل شغف الطهي إلى عمل ناجح ما يستدعي الرثاء، بعض الناس يجدون سعادتهم الحقيقية حين تكبر هواياتهم وتصير مهنًا، وقد يمنحهم ذلك استقلالًا ورزقًا واعترافًا يستحقونه، إنما الفرق واسع بين أن يختار الإنسان هذا الطريق لأنه يريده، وبين أن يسلكه معتذرًا عن متعة لم يعرف كيف يبررها، لسنا مطالبين بأن نهرب من النجاح، لكننا أيضًا لسنا ملزمين باصطياده في كل زاوية من حياتنا، فالنجاح مكسب حين تختاره الرغبة، وعبء حين يصبح شرطًا لاحترامها، وليس كل ما نحب بذرة شركة، وبعض البذور يكفيها أن تصير زهرة على النافذة.
 
ثمة تجارب لا تحتاج إلى شاهد، كتاب لا ننشر اقتباساته، ودفتر لا نعرض صفحاته، وصورة لا تتجاوز ألبوم الهاتف، ولا تصبح هذه الأشياء أقل قيمة لأنها لم تتحول إلى محتوى، بل لعلها تبقى أقرب إلينا حين لا ننتظر تصفيقًا عليها، من المريح أن تكون لنا مساحة لا نجتهد فيها لإقناع أحد بشيء، ولا نحسب عدد ساعاتنا فيها كأننا ندخر أسهمًا للمستقبل، مساحة يجوز فيها أن نخطئ ونضحك ونغلق الدفتر ونعود إليه بعد أشهر، دون أن نسمي ذلك انقطاعًا عن التطور، فقد تكون الهواية أحيانًا طريقة لتذكير أنفسنا أننا بشر قبل أن نكون مشروعات مستمرة للتحسين.
 
قد يبيع صاحبنا لوحاته يومًا، وقد يعلّق شجرته المائلة قرب مكتبه، ويظل الخياران مفتوحين ما دام قادرًا على العودة إلى الورقة دون أن يطالبه أحد بخطة عمل، ففي جوار المكتب مكان لكرسي صغير، يجلس عليه الإنسان بكل ما لا يصلح للإضافة إلى سيرته الذاتية، فضوله، ومحاولاته المرتبكة، وفرحه بغصن رسمه كما أراد، ولعل السؤال الأجمل الذي يمكن أن نوجهه إليه، بدلًا من السؤال عن السعر والمستقبل والجدوى، سؤال بسيط، نكاد ننساه من فرط ما نبحث عن الفائدة، هل استمتعت برسمها؟
 

أماني بنت عبدالله البهكلي 

كاتبة رأي

أماني عبدالله البهكلي

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.