كُتاب الرأي

لماذا نمدح الإنسان بالذئب ونشتمه بالكلب؟

لماذا نمدح الإنسان بالذئب ونشتمه بالكلب؟

أماني بنت عبدالله البهكلي 

ثمة ظلم لغوي قديم لم ينتبه إليه أحد، أو لعلنا انتبهنا ووجدناه مناسبًا لغرورنا، أن نصف الرجل القوي بالذئب، ونرمي من نريد احتقاره بالكلب، مع أن الكلب، لو أُتيح له أن يفهم لغتنا، ربما رفع رأسه محتجًا وقال: بأي حق جعلتم وفائي شتيمة، وجعلتم افتراس الذئب مديحًا؟
نقول عن الرجل الشجاع: ذيب، ونقصد بها الفطنة والقوة والهيبة والقدرة على النجاة، ونقول عن الآخر: كلب، فنريد الإهانة، كأن الحيوان الأول نال شرفًا لمجرد أنه لا يأنس بنا، والثاني فقد كرامته لأنه أحبنا أكثر مما ينبغي.
والمفارقة أن كثيرًا من الصفات التي نزعم أننا نبحث عنها في البشر أقرب إلى الكلب منها إلى الذئب.
نحن نريد الصديق الوفي، الذي يعرفنا إذا تبدلت الوجوه، ويحفظ الود إذا تغيرت الظروف، ونريد من يقف معنا حين يبتعد الآخرون، ومن يفرح بعودتنا، ويحزن لغيابنا، ولا يحتاج في كل مرة إلى أن نثبت له أننا نستحق صداقته، فإذا وجدنا هذه الصفات في إنسان قلنا: نعم الصاحب، وإذا وجدناها في الحيوان الذي اشتهر بها، جعلنا اسمه شتيمة.
أما الذئب، فقد منحناه في خيالنا ما نحب أن ننسبه إلى أنفسنا، الكبرياء، الاستقلال، الذكاء، الحذر، وربما الوحشة الجميلة التي يحب الإنسان أن يتخيلها في نفسه حين يريد أن يبدو أكبر من حاجته إلى الآخرين.
 
فنحن نحب صورة من يمشي وحيدًا في البراري أكثر من صورة من ينتظر عند الباب.
 
الأولى تبدو بطولة، والثانية تبدو حاجة، والإنسان يغفر القوة مهما قست، لكنه يستحي أحيانًا من الوفاء إذا بدا شديدًا.
 
لهذا ربما لم يكن اختيارنا للذئب بريئًا تمامًا.
 
نحن لا نمدح فيه الحيوان بقدر ما نمدح الصورة التي صنعناها عنه، صورة ذلك الذي لا يركض وراء أحد، لا يتوسل القبول، لا يألف بسرعة، ويعرف كيف يعضّ إذا اقترب منه الخطر، إنها صفات تصلح لأن تكون ملصقًا فوق كبريائنا.
 
أما الكلب، فقد ارتبط في المخيلة الشعبية بالقرب والخدمة والطاعة، وكل ما يقترب كثيرًا من الإنسان يفقد بعض غموضه، والغموض، كما يبدو، نصف الهيبة.
 
الذئب بعيد، ولذلك استطعنا أن نحلم به.
 
والكلب قريب، ولذلك عرفنا ضعفه.
 
وربما لهذا كان البشر أرحم بالبعيد في خيالهم من القريب في واقعهم، نغفر للذئب افتراسه لأنه ذئب، ولا نغفر للكلب خضوعه لنا مع أننا نحن من علّمه القرب.
 
ثم إن اللغة تكشف شيئًا آخر فينا، نحن نميل إلى تمجيد القوة أكثر مما نعترف، ولو كانت قوة قاسية، بينما نتعامل مع اللين كأنه منزلة أقل، الرجل الذي لا يحتاج أحدًا نراه مهيبًا، والرجل الذي يحب بإخلاص نخشى أن نصفه بالضعف، من لا يلتفت خلفه نسميه قويًا، ومن ينتظر شخصًا نحبه نقول عنه متعلق.
 
كأن القلب كلما ازداد وفاءً، انخفض في سلم البطولة.
 
والغريب أننا إذا أردنا الزواج طلبنا وفاء الكلب لا استقلال الذئب، وإذا اخترنا صديقًا تمنينا من يحفظنا لا من يفترسنا، وإذا مرضنا أحببنا من يبقى بجانبنا لا من يختفي في الجبل حفاظًا على هيبته، وإذا خانه الناس جميعًا قال الرجل عن آخر بقي معه: «هذا ما يتركني»، وهي، لو تأملناها، صفة لا تشبه الذئب الذي ملأنا به قصائد المديح بقدر ما تشبه ذلك الحيوان الذي أهناه باسمه قرونًا.
 
المسألة إذن ليست في الحيوانين، بل في تصورنا نحن للقيمة.
 
ربما أحببنا الذئب لأنه يمثل ما نتمنى أن نبدو عليه، وأهنا الكلب لأنه يمثل ما نخاف أن يُرى فينا، حاجتنا إلى الحب، تعلقنا، إخلاصنا، استعدادنا للبقاء، وفرحنا بمن نحب.
 
نحن نحب أن نقول: أنا ذئب، ولا نحب أن نقول: أنا وفي.
 
الأولى فيها استعراض، والثانية فيها اعتراف.
 
ومع ذلك لا ينبغي أن نقلب الظلم ظلمًا آخر، فالذئب ليس شريرًا، ولا الكلب ملاكًا، كلاهما حيوان يتصرف وفق طبيعته، لكن الإنسان هو الذي استعار منهما أسماء ثم وزع عليها الأخلاق بحسب هواه.
 
والأجمل ربما أن نتوقف عن السؤال: أهو ذئب أم كلب؟
 
ونسأل: أي الصفات نريد فعلًا في الإنسان؟
 
إن أردنا الشجاعة، فليكن شجاعًا، وإن أردنا الذكاء، فليكن ذكيًا، وإن أردنا الوفاء، فلنقل وفاءً بلا خجل، فما كل لين ضعف، ولا كل قسوة هيبة، ولا كل من سار وحيدًا كان عظيمًا، ولا كل من بقي عند الباب كان ذليلًا.
 
أحيانًا يكون البقاء أصعب من الرحيل، والوفاء أشجع من الافتراس.
 
ولعل الكلب لم يخسر مكانته لأنه أقل شأنًا من الذئب، بل لأنه أحب الإنسان أكثر مما ينبغي، والإنسان، منذ زمن بعيد، شديد الإعجاب بمن لا يحتاجه.
 

كاتبة رأي

أماني عبدالله البهكلي

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.