كُتاب الرأينحن طويق
الوطن في التفاصيل التي لا يصفّق لها أحد

الوطن في التفاصيل التي لا يصفّق لها أحد
أنا فتاةٌ جازانية، أعرف أن للوطن صورةً كبيرةً تليق بالأعلام والمنابر، لكنني كلما حاولت أن أكتب عن محبّتي له، حضرتني أشياء صغيرة، يد جدتي وهي تقرّب الطعام إلى ضيفة، وصوت جدي حين يوصيني أن أحفظ للناس حقوقهم، وبابٌ يُفتح للجار قبل أن يتمّ طرقه، كأن البلاد، على اتّساعها، اختارت أن تدخل قلبي من عتبة بيتنا.
لم أعرف السعودية أول الأمر من خريطة، عرفتها من وجوهٍ اطمأننت إليها، ومن طريقٍ يعود بي إلى أهلي، ومن أسماء مدنٍ يسافر إليها الأقارب ثم يرجعون محمّلين بالحكايات، كنت أظنّ الوطن كلّ ما أعرفه، ثم كبرت، فعرفت أن من جمال الانتماء أن تحبّ أيضًا أماكن لم تطأها قدماك، لأن فيها ناسًا تشاركهم اسم البلاد ومستقبلها.
وفي قلبي لجازان منزلة البدايات، أحبّ في اسمها تلك الألفة التي تجعلني أبتسم إذا سمعته على لسان غريب، وأحبّ لهجتنا حين تفلت منّي عفويةً، فأشعر أن البيت قريب، ولو باعدت بيننا الطرق، وأجد في البحر والجبال والقرى والوجوه ملامح متعدّدةً لمكانٍ واحد، علّمني أن الجمال يستطيع أن يختلف دون أن يتخاصم.
ومن الجنوب تعلّمت أن الكرم يبدأ قبل المائدة، يبدأ بالطريقة التي نستقبل بها إنسانًا، وبالمقعد الذي نفسحه له، وبالسؤال الذي يحفظ كرامته، فلا يفتّش في حاجته ولا يحرجه بعجزه، ولعلّ أطيب ما يتركه أهلنا فينا، تلك العادات التي نظنّها عاديةً حتى نفتقدها، فنكتشف أنها كانت تسند أيامنا ونحن لا نشعر.
وحين أقول إنني أحبّ بلدي، أفكّر في هذه التربية التي ينبغي أن تصحبني إلى الشارع والعمل، فما جدوى أن أوسّع للضيف في مجلسي، ثم أضيّق على الناس طريقهم، أو أن أغضب إذا أسيء إلى اسمي، وأستهين باسم بلادي حين أمثّلها بسوء معاملتي، إن المحبّة تمتحننا أحيانًا في موضع سيارة، أكثر مما تمتحننا في بلاغة عبارة.
ومن الناس من يكتب عن الوطن كتابةً لو قُسّمت على الأحياء لكفتها، ثم يعجز أن يحمل كيسه إلى أقرب سلّة، وله في تفسير ذلك من الحجج ما يكفي لإدارة ندوة، فهو مستعجل، والمكان سيُنظَّف، والفعلة صغيرة، حتى ليخيّل إليك أن الشارع أخطأ حين اعترض طريق أعذاره، وأن النظافة شأن الجميع، ما عدا يديه.
وأنا، قبل أن أحاسب غيري، أسأل نفسي عمّا أقدّمه، هل أحفظ وقت من ينتظرني، وهل أنصف امرأةً اختلفت معها، وهل أتقن عملي حين لا يتابعني أحد، وهل أترك المكان العام كما أحبّ أن أجده، هذه أسئلةٌ لا تمنح صاحبها صورةً تذكارية، لكنها تمنحه فرصةً يوميةً ليجعل محبّته نافعةً لمن يعيشون معه.
وأرى الوطن في امرأةٍ تفتح باب رزقها كل صباح، تتعلّم وتجرّب، وتخطئ ثم تعود، وفي معلّمةٍ تمنح طفلةً خجولةً وقتًا لتجيب، وفي موظّفةٍ تستقبل مراجعةً مسنّةً، فتشرح لها دون تأفّف، وتعيد الشرح كأنها تقوله للمرة الأولى، كم من إنسانٍ عاد إلى بيته أخفّ قلبًا لأن أحدًا أدّى واجبه بشيءٍ من الرحمة.
وأراه في أبٍ يعود متعبًا، ثم يصغي إلى حكاية صغيرته، وفي أمٍّ تعلّم ابنها الاعتذار، فلا تستر خطأه بمحبتها، وفي شابٍّ يحترم عاملًا أكبر منه سنًّا وأقلّ منه حظًّا، هؤلاء يربّون في البلاد شيئًا لا تظهره الصور بسهولة، يربّون الثقة بأن الكرامة محفوظة، وأن الضعف لا يجعل صاحبه مباحًا للقسوة.
وبوصفي فتاةً جازانية، أحبّ أن أحمل من منطقتي ما يضيف إلى حضوري، دفء الترحيب، والاعتزاز بالجذور، والقدرة على العمل، وأن آخذ من بقيّة بلادي ما يوسّع معرفتي، فلي في كل منطقةٍ ما أتعلّمه، وفي كل امرأةٍ تجتهد ما يشجّعني، ويسعدني أن يكون انتمائي بابًا للتعارف، وأن يجد الناس في اعتزازي بجازان محبّةً تتّسع لهم.
وحين أرى فتاةً من جازان تتقدّم في دراستها، أو تفتتح مشروعًا، أو تكتب وتبتكر، أفرح كأن نافذةً أضيئت في بيتنا، وأتمنّى أن تجد من يأخذ محاولتها بجدّية، فالتشجيع مسؤوليةٌ أيضًا، وقد تبدأ حكايةٌ كبيرة من كلمةٍ صادقة، ومن فرصةٍ عادلة، ومن شخصٍ قرّر ألّا يسخر من بدايةٍ صغيرة.
ولا أنتظر مناسبةً لأتذكّر أنني أحبّ السعودية، لكنني أحتاج كل يومٍ أن أتذكّر ما تقتضيه هذه المحبّة منّي، أن أكون أمينةً حين يسهل التحايل، ومنصفةً حين أقدر على الظلم، ورفيقةً حين لا يملك الآخر ردّ قسوتي، وأن أضيف إلى المكان الذي أعيش فيه شيئًا يجعل حياة أهله أطيب.
هكذا أحبّ بلادي، بقلب فتاةٍ جازانية تعرف أن للأرض حقًّا يشبه حقّ الأهل، أفرح بعزّها، وأعتزّ باسمها، وأرجو أن أكون جديرةً بما أخذت منها، فإذا مررت بيومٍ لم أصنع فيه شيئًا كبيرًا، بقي لي أن أحفظ حقًّا، وأجبر خاطرًا، وأؤدّي عملًا بإخلاص، ثم أعود إلى بيتي، وقد تركت في يوم الوطن شيئًا حسنًا، وإن لم يصفّق له أحد.
