بين الحضور والغياب

بين الحضور والغياب
الدكتورة سارة بنت مرزوق
يهبط الموت كرجفة تربك المسار. يبدّل الملامح، ويترك في الأفق فراغًا لا يُقاس. اللحظة التي تسبق الخبر ليست كالتي تليه؛ فالغياب يقتحم القلب دفعة واحدة، ويتركنا نحدّق في المعنى بعين لا ترى إلا انطفاء الدرب.
نبحث عن كلمة تتكئ عليها أرواحنا، فتضيق اللغة أمام الصدمة، ويتحوّل الكلام إلى رماد.
والموت لا يسرق الراحل وحده. إنه يقتطع من حياة الباقين مساحة لا تُعوَّض. ترى الوجع يطلّ من الوجوه المرتجفة، وتسمع الارتطام في الأصوات المتهدّجة، كأن القلوب نسيت فجأة إيقاع نبضها. وفي نظرات الوداع يقين خفيّ بأن أثر الراحل باقٍ فيهم لا يُمحى.
نتبادل كلمات العزاء، ونعرف أنها لا تكفي. هي أشبه بمظلة صغيرة في وجه عاصفة. ومع ذلك نتمسك بها، لأننا نحتاج إلى شيء نستند إليه وسط هذه الفوضى. هي لا تمحو الفقد، لكنها تمنحنا ما يكفي من التماسك لنواصل المسير، ونحتمل المسافات الطويلة التي تلي الرحيل.
ثم إن الراحل لا يغيب تمامًا. يبقى في التفاصيل: في زاوية كان يجلس فيها، في رائحة عالقة بثوب قديم، في ذكرى توقظها نغمة عابرة. والحزن بهذا المعنى ليس إلا وجهًا آخر للحب. فكل حب عميق يورث حنينًا يفيض من مفاصل الذاكرة، ويعيد تشكيل نظرتنا إلى الحياة والموت معًا.
الموت لا يغلق الأبواب، بل يجاور الحياة كظل دائم. يذكّرنا بأن الزمن لا ينتظر أحدًا، وأن الطرق كلها تمضي إلى نهاية واحدة. وربما كان في هذا الإدراك ما يخفّف وطأة الوداع؛ إذ يعلّمنا أن نتمسّك بما بقي من المعنى، لا بما تلاشى من الجسد. فالحياة لا تستقيم إلا بوعي الفناء، ولا يكتمل حضور الإنسان إلا حين يدرك أن الغياب جزء من سنّة الوجود نفسها.
كاتبة رأي

