كُتاب الرأي

الثقة الزائدة…أقصر طريق للندم

الثقة الزائدة…أقصر طريق للندم

الدكتور سارة

لا تبدأ كل المظالم بسوء نية، بل تبدأ بثقةٍ تتجاوز الحدود.

فالحاجة إلى السؤال والمراجعة تقلَّ كلما بلغ الاطمئنان مداه وازداد يقين المرأ بمن حوله إلى حد تصبح فيه الحقيقة أقل وضوحًا، لأن الثقة الزائدة هي السبب في حجبها عن صاحبها.

في كثير من الأسر، يُسلِّم كبير السن شؤونه لمن يثق بهم، مطمئنًا إلى أن الأمانة تغني عن الرقابة، وأن المحبة تحفظ الحقوق أكثر من الأوراق والإجراءات. غير أن حسن الظن، مهما سما، لا يُغني عن حسن التدبير.فالثقة التي لا تُجلي الرؤية قد تتحول إلى بابٍ تتسلل منه الأخطاء دون أن يشعر أحد.

ولا يحدث ذلك غالبًا دفعةً واحدة؛ بل يبدأ بتفويضٍ مفتوح، ثم بغياب المراجعة، ثم باعتياد أن كل شيء يسير على ما يرام. ومع مرور الأيام، يصبح السؤال حرجًا، ويُفسَّر طلب الإيضاح على أنه تشكيك، بينما تتوارى التفاصيل التي من المفترض أن تبقى ظاهرة خلف وهمٍ بأن كل شيء على ما يرام.

والأخطر أن الأمر لا يقف عند هذا المانح للثقة ، بل يمتد إلى من حوله. فكم من شاهدٍ رأى خللًا، وآثر الصمت بحجة أن الأمر لا يعنيه، غير مدركٍ أن “الساكت عن الحق شيطان أخرس”وأن إيثاره للصمت وغضِّه للبصر عن التجاوزات يُغري باستمرارها حتى يبلغ الأمر حدَّ الأُلْفة.

والأدهى والأمر هو قلب الموازين؛ فيُنظر إلى من يطالب بالشفافية على أنه مشكك ومثير للخلاف، بينما تُمنح الثقة المطلقة لمن لا تُراجع تصرفاته. وهنا يغيب السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب: هل أُديت الأمانة كما ينبغي؟
فالأمانة لا تثبتها الكلمات، وإنما يثبتها حفظ الحقوق، وصحة التصرف، واتساق السلوك مع القول، وتكفلها الإجراءات العادلة.

فالواثق من نفسه لا يخشى المراجعة، ولا يرى في توثيق الحقوق إساءة، بل يعدّه ضمانًا لاستمرار المودة، وصيانةً للعلاقات من مواطن الخلاف.

أما الثقة الزائدة، فتدفع صاحبها إلى الاطمئنان إلى صورةٍ ذهنية أكثر من اطمئنانه إلى الواقع، حتى يغدو ما كان يستوجب التحقق أمرًا لا يلتفت إليه، فلا تنكشف الحقيقة إلا بعد أن تصبح كلفة اكتشافها أكبر بكثير من كلفة الوقاية منها

ولذلك، لم تُهزم كثير من الأسر بقلة المال، وإنما هُزمت حين تجاوزت الثقة حدَّها، وغاب الوضوح، وتأخر السؤال، حتى أصبحت المطالبة بالحق تهمة، والصمت فضيلة، والحقيقة آخر ما يُلتفت إليه.

فالحقوق لا يحفظها حسن الظن وحده، وإنما تحفظ حين يسير حسن الظن جنبًا إلى جنب مع الشفافية، والمساءلة، والعدل. عندها فقط تكون الثقة سببًا لعدم ضياع الحقيقة، وتبقى مصدرًا للأمان.

كاتبة رأي 

 

 

الدكتورة سارة بنت مرزوق

أديبة وشاعرة وقاصة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.