كُتاب الرأي

الأطفال والتعليم المبني على المهارات

الأطفال والتعليم المبني على المهارات

سهام حسين القحطاني

تتوافق كل الشعوب عبر تاريخها الإنساني على “مقاصد التعليم” فجميها تسعى باختلاف أشكالها إلى “منتج تعليمي بشري” يتصف بامتلاكه مهارات تفكيرية متفوقة مع الإبداع و الابتكار؛لأن التعليم هو أساس نهضة الأمم، ولذا تسعى الأمم إلى التركيز على التعليم و مناهجه كونه من يمتلك تحقيق الطموح النهضوي و الحضاري للشعوب.

ولذا أصبح التعليم بمناهجه و طرائقه و أساليبه ،مصدرا للتنافس بين الشعوب، و من ينتصر في سباق هذا التنافس يصبح  هو المتحكم في ريادة المستقبل بمفهومه الحضاري الذي ينطلق من التعليم.

إن المستجدات الحضارية هي التحديات الحقيقية للتعليم؛ لأن أي فجوة فراغ بين تلك المستجدات ومناهج التعليم تعني الوقوع في فخ الجهل والتخلف، ولذا تظل عين التعليم راصدة لكل مستجدات حضارية حتى تحتويها و تستثمرها في تجديد منظومتها، وهذه التكاملية بالاحتواء هي التي تجعل التعليم “نابضًا بالحيوية” ومحميًا من تطرف التقليد.

إن الشعوب المتقدمة تُراهن على التعليم في استمرار نهضة مستقبلها، وحجر الزاوية في ذلك الرهان هو “التعليم الموجه للطفل” ؛لأنه البذور الأصيلة التي ستنمو من خلالها حدائق الحضارة و النهضة، ومتى ما استثمرنا في ذلك التعليم حصدنا ما نبتغي.

لكن لا يبدو الأمر سهل المنال كالحديث عنه؛ فهناك العديد من التحديات التي تحيط بتحقيقه، و الأمر لا يتعلق هنا بالمناهج، بل بالعقلية التي في الفصول، فمازال الكثير من المعلمين و المعلمات في رياض الأطفال و المرحلة الابتدائية ينظرون إلى طلابهم بأنهم صغار ومصطلح “صغير” في قاموسنا الشعبي هو الذي لا يملك القدرة على التفكير  ولا الاستعداد لصقل أي مهارة، وهذا الاعتقاد يجعلهم يركزون على “الجانب المعرفي” للمناهج الدراسية “أحفظ و أكتب و أقرأ” في صياغتها الآلية المجردة من محتوى مهاري.

وتمضي السنوات الأولى التعليمية في حياة الطفل الثرية ببذور الإبداع  الأصيلة لتطير هباءً منثورًا في هواء لا تربة فيه.

إن التعليم المبكر و الابتدائي  اليوم يتجاوز وظيفة ثنائية “قرأ وكتب” هذه الثنائية التي ظلت في معيارها الأحادي القيمة الكبرى للتعليم، ولا أقصد بالتجاوز هنا التقليل من هذه القيمة الرئيسة، بل المقصد ألّا تكون محور قيمة التعليم ذاتها، بل قيمة بالإضافة ضمن منظومة من القيم الرئيسة التي تتآلف في مصفوفة مهارات تتكامل ،لا تنفرد كلٌ منها بهرميتها الخاصة المستقلة.

إن كل قيمة تعليمية لا تٌضاف إليها البصمة المهارية تصبح مجرد ممارسة تعليمية تقليدية تُضيع فرصة البذور الأصيلة في أرض خصبة تثمر مع الأيام نهضة و حضارة.

فنحن في مدارسنا نعلم أطفالنا القراءة في مستواها الآلي الحروف والكلمات، مجردة من أي قيم مهارية كالفهم و المشاركة في تحليل المعاني، والدلالات الصوتية للحروف، واستثمارها في التمثيل الصوتي، و هذا التجريد يعيق  تأسيس مهارات الفهم القرائي، وخاصة و ان المناهج الحديثة في التعليم المبكر و الابتدائي مبنية  على أساس مهاري لا معرفي فقط.

كما أن التعليم وفق المنظومة المهارية في مجال القراءة تعالج فيما بعد مشاكل الطلاب في اختبار القدرات و تكسر هيبة الخوف و تنمي موهبة الإلقاء.

وليس الأمر هنا خاص بمهارات القراءة بل والكتابة، والمهارات المتعلقة بالعلوم و الرياضيات ومهارات التفكير الناقد.

ثمة -وهم كثيرون- من يعتقد أن تأسيس مهارات الطالب تبدأ من المرحلة المتوسطة و الثانية وهذا الاعتقاد بلا شك غير صحيح جملة و تفصيلا.

فمرحلة رياض الأطفال و المرحلة الابتدائية هي مصدر تأسيس مهارات الأطفال، واستنزاف طاقتها في المسار المعرفي دون سواه هو خطأ يرتكبه المعلمون و المعلمات في حق أطفالنا، ليصل الطالب إلى المرحلة المتوسطة ثم الثانوية فاقدًا لأي مهارة؛لا على مستوى الأصل، فكل منا يمتلك نصيبه من المهارات، ولكن على مستوى “الادراك و الاكتشاف”.

إن مفهوم المهارة في مرحلة المتوسطة و الثانوية يعتمد على كيف يستثمر الطلاب ما يمتلكونه من مهارات وليس دورهما تأسيس المهارات؛ ففي النظريات التعليمية تبدأ مهارات الإنسان تتكشف في سن الخامس وهذه السن هي الأنسب لاكتشاف مهارة الأطفال و تأسيس أصولها.

إن التعليم المبني على المهارات متوفر في مناهجنا الدراسية لكن تحتاج منّا أن نتحرر من فكرة “أن المعرفة تأتي أولا ثم بعدها تأتي المهارة أو لا تأتي”، في حين أن مبدأ التعليم الحديث هو “المهارة تأتي أولا ثم المعرفة”.

إننا نعاني اليوم في مدارسنا من “الفاقد المهاري” لا “الفاقد المعرفي” فطلابنا يؤمنون كما علّمناهم بأن “المعرفة أهم من المهارة”.

كاتبة رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.