كُتاب الرأي

الكارما بين الدين والفلسفة

الكارما بين الدين والفلسفة

سهام حسين القحطاني

أصبح لفظ “الكارما” من الألفاظ المتداولة اليوم شعبيًا، وقد يستخدمها البعض بسبب الشيوع دون الإدراك الحقيقي لمعناها، ويستخدمها البعض كناقوس تحذير من عاقبة الفعل ضد الآخر والإضرار به.

من القوانين الفيزيائية التي أسس لها إسحاق نيوتن “إن لكل فعل ردة فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه”، وهو قانون لو تأملناه سنجد أن له إرهاصا قديم الأزل في الفلسفات الشرقية تحت اسم “الكارما” ولعل الأمر قد يكون أعمق من مجرد استلهام عبر اندماج العلم والفلسفة، أمر يتعلق “بسنة الله في الكون” التي

 لا تبديل لها، وهي خاصية ثابتة لكل فعل كوني أو إنساني؛ يحقق الله بها العدالة الكاملة و القصاص الحق اللذين تعجز عنه قوانين المصنوعة.

ولذا ارتبطت “الكارما” بالعدالة والقصاص، في أثيرهما التعويضي.

تعود الدلالة المعنوية للفظ “الكارما” أو الطاقة العاكسة لردة الفعل إلى الفلسفات الشرقية وخاصة الفلسفة الهندية، وهي تعني “الفعل وردة الفعل”.

إن الفعل الصادر من الإنسان على غيره سواء أكان خيرا أم شريرا يحمل طاقة تتجلى في الآثر،والأثر هو القانون التي تتحرك به تلك الطاقة عبر توالي الأسباب لأيام أو شهور أو سنين، و تظل تتحرك لتجدّ لها الوقت و المساحة المناسبتين لإعادة اتجاهها إلى المصدر الأول “لردة الفعل”.

إن أفعال كل منا هو “نمط ثابت” فالإنسان الكذّاب “سيظل كذابا” والإنسان الصادق سيظل صادقا” وعلى سبيل هذا المثال قس.

وهذه النمطية السلوكية تتجلى في الحديث النبوي “إن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا”،وهذه النمطية السلوكية هي التي تمهد لحركة الكارما.

وفي علم النجوم فإن هذه الحركة المبنية على النمطية السلوكية تقوم على “أن الفعل الإنساني لكل منا يدخل في رحلة من الأثير عبر النجوم تفتح له طاقات من الاهتزازات تشكل له حيزًا معينًا من الطاقة تتمثل في النتيجة التي تظل تتفاعل مع ديناميكية ذلك الأثير عبر النجم المرتبط بذات الفعل، حتى تعود إلى الفعل الأساسي لتكرر النتيجة ذاتها في ردة فعل جديدة، تتوافق مع قوة الفعل السابق ومساوية له في الأثر العاكس على الذات نفسها”.

قد يكون لفظ”كارما” جديدا على أسماع الشعوب العربية، إلا أنها موجودة في تراثهم و ثقافتهم، و توجز لك في عبارات قصيرة مثل “كم تٌدين تدان” “ما تزرعه تحصده” “الجزاء من جنس العمل” عبارات تمثل الإيمان بالكارما كعدالة و قصاص في أثيرهما التعويضي.

وفي الشعر العربي القديم قول الحُطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه**لا يذهب العرف بين الله والناس

كما أسهمت الدراما في نشر ثقافة الكارما بين الشعوب من خلال النهايات التي تؤكد على عاقبة الشر و الظلم، وهو المبدأ الأولى الذي بني عليه أرسطو فلسفة الدراما.

هل فكرة الكارما مخالفة للإسلام؟

يرفض الإسلام السياق الذي ارتبط بالكارما في الفلسفات الشرقية “التقمص و الاستنساخ” بأن فعل الإنسان سيعاقب عليه بطريقة الكارما سواء في حياته الأولى أو حيواته الأخرى،فهي ستظل إن كانت سيئة لعنة تلاحقه في كل حيواته المتعاقبة.

أما في التصور الإسلامي، فقد جاءت النصوص القرآنية في هذا المجال كرافعة للوعي الفكري و الروحي بأهمية أثر الفعل على حياة الإنسان في الدنيا و الآخر، وهي رافعة تعمّق من مسؤولية الإنسان اتجاه فعله وأثره.

كما جعلها حافزا لفعل الخير بسبب آثرها المستدام؛ “فالكارما” الأثر لناتج عن فعل الإنسان، قد تكون قصيرة المدى فتنحصر على الذات الأحادية للفرد، أو بعيدة المدى  ترتبط بذوات أخرى تتعلق بالفرد الأول مثل قوله تعالى “﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ (الكهف: 82).

هل يستطيع الإنسان أن يجلب الكارما أو يستعجل حدوثها؟

لقد علمنا الإسلام أذكارا وعبارات تجلب لك طاقة الكارما أو تستعجل حدوثها “بمشيئة الله” مثل: “حسبنا الله ونعيم الوكيل” و “الاستغفار”.

 أما أعظم وسائل جلب طاقة الكارما فهو “الدعاء”.

كاتبة رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.