في ظلال المسرح

تأملات في فلسفة المسرح

تأملات في فلسفة المسرح 

النص المسرحي… الكائن الذي يولد مرتين

بقلم / أ.محمد مفرق

في مقالي الماضي، تناولتُ الكاتب المسرحي بوصفه «الممثل الوحيد الذي لا يراه الجمهور»، ذلك الحاضر في كل تفاصيل العرض رغم غيابه عن الخشبة؛ فهو الذي يمنح الشخصيات أصواتها، ويزرع الأسئلة في حواراتها، ثم يتراجع شيئاً فشيئاً ليترك نصه للآخرين. ومن تلك الفكرة، أواصل اليوم هذه التأملات في فلسفة المسرح عبر مقالات متتابعة، أحاول فيها النظر إلى عناصر المسرح بعيداً عن تعريفاتها التقنية، والاقتراب منها بوصفها حالات إنسانية وفكرية تستحق التأمل.
وفي هذه الحلقة، أتوقف عند النص المسرحي؛ ذلك الكائن الذي يولد مرتين.
ولادته الأولى هادئة، تحدث بعيداً عن الأضواء، حين تتشكل الفكرة في ذهن الكاتب، ثم تتحول إلى شخصيات وحوارات وصراعات. هناك، على الورق، يكون للنص عالمه الخاص؛ زمنه، وأمكنته، وأبطاله، ومصائرهم. يستطيع القارئ أن يدخل ذلك العالم بخياله، وأن يبني مسرحه الخاص، ويرسم وجوه الشخصيات كما يشاء.
لكن هذه الولادة، رغم اكتمالها أدبياً، لا تمنح النص حياته المسرحية كاملة.
فالولادة الثانية تحدث حين يغادر النص الورق إلى الخشبة.
عندها تتحول الكلمات إلى أصوات، والصمت المكتوب بين قوسين إلى لحظة محسوسة، والمكان المتخيل إلى فضاء، والشخصية إلى جسد يتنفس ويتحرك وينظر ويصمت. هنا لا يعود النص كما كان؛ فالمخرج يقرأه بعين أخرى، والممثل يكتشف في الشخصية مناطق ربما لم يكتبها المؤلف صراحةً، والسينوغرافيا تمنحه فضاءً بصرياً، والجمهور يضيف إليه تأويله الخاص.
ولهذا تبدو لي العلاقة بين النص والعرض أشبه بالعلاقة بين الاحتمال والتحقق. النص على الورق يحمل عشرات الاحتمالات، لكن العرض يختار في كل مرة واحداً منها ليمنحه الحياة. ومن هنا يمكن للنص الواحد أن يولد على خشبات مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، وبوجوه مختلفة، دون أن يستنفد قدرته على الولادة.
وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات المسرح؛ فالنص الجيد لا يشيخ بالضرورة، لأن الكلمات التي كُتبت في زمن ما قد تجد على خشبة أخرى معنى لم يكن مرئياً من قبل. وكل قراءة إخراجية جديدة ليست مجرد تنفيذ للنص، وإنما سؤال جديد يُطرح عليه.
ولعل هذا ما يجعل النص المسرحي مختلفاً عن كثير من أشكال الكتابة؛ إنه لا يطلب منا أن نقرأه فقط، بل ينتظر من يوقظه.
إنه يولد أول مرة بين يدي الكاتب كأدب، ثم يولد مرة أخرى أمام الجمهور كمسرح.
وبين الولادتين رحلة طويلة، قد تتغير فيها الملامح والأصوات والتفاصيل، لكن الروح تظل كامنة في الكلمات، تنتظر تلك اللحظة التي تُضاء فيها الخشبة، ويتنفس النص للمرة الأولى أمام الناس.
ولهذا ربما لا تكون أجمل لحظة في حياة النص المسرحي هي لحظة كتابة آخر كلمة فيه، بل اللحظة التي يسمع فيها الكاتب كلماته تخرج من فم شخصية لم تعد، منذ تلك اللحظة، ملكاً له وحده.

إعلامي ومسرحي

محمد مفرق

إعلامي ومسرحي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.