كُتاب الرأي

قبل أن يخونك… لا تخن قلبك

قبل أن يخونك… لا تخن قلبك

بدر بن سالم 

قبل أن أبدأ، أعتذر عن طرح قد يبدو فلسفيًا في بعض جوانبه، ولا أقصد به أن يعكس مجتمعاتنا الإسلامية، ولا أن يبرر الخيانة بأي صورة.
فالخيانة في ميزاني ليست تجربة عابرة، بل هي من مزالق الشيطان الموصلة إلى ما لا يُحمد عقباه، والعياذ بالله.
ولست واعظًا هنا، فأنا كثير الخطأ، وإنما أتأمل في الإنسان، وفي تلك المسافة الغريبة بين أن نحب شخصًا بصدق، ثم نخذله.
لماذا يخون الإنسان؟
هل لأنه لا يكتفي بشخص واحد؟
أم لأن هناك دائرة حوله تشعره دائمًا بأنه ناقص، وأنه بحاجة إلى اهتمام آخر؟
أم أن الإهمال يفتح أحيانًا بابًا، فإذا انفتح الباب لم يعد من السهل إغلاقه؟
والأصعب من الخيانة نفسها، ما تفعله في قلب من يتعرض لها.
كم من إنسان خانته الثقة قبل أن تخونه العلاقة؛ أصبح بعدها لا يثق بأحد، يراقب، ويفتش، ويشك، ويبحث عن الدليل قبل أن يبحث عن الطمأنينة.
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
هل نحمي من نحب بالتجسس عليه؟
أم نحميه بأن نشعره بالأمان؟
أتذكر رجلًا كانت زوجته، كلما همّ بالذهاب إلى عمله، اقتربت منه وقبّلته وقالت:
«استودعتك الله من كل شر.»
وكانت هذه الكلمة تؤلم قلبه كل يوم.
وفي أحد الأيام سألها:
«وش اللي يؤلم قلبك؟»
قالت:
«أشوفك بعينٍ زايغة، وأخاف أن يأتي يوم أكون فيه آخر من يعلم.»
كان يستطيع أن يغضب، أو أن يعتبر كلامها اتهامًا، لكنه اقترب منها، وقبّل رأسها، وقال:
«أنا ما عمري أخونك.»
ربما لم تكن تحتاج يومها إلى تحقيق، ولا إلى تفتيش هاتف، ولا إلى دليل جديد.
كانت تحتاج فقط إلى رجل يشعرها أن قلبها في أمان.
وفي قصة أخرى، كانت زوجة تشك في زوجها، تنتظر الفرصة لتفتش هاتفه. وفي يوم وجدت تذكرة سفر لشخصين إلى إحدى بلاد المحيط، حيث يلتقي البحر بالسماء.
تغيّر وجهها.
سكتت.
وتكدرت أيامها.
ثم جاءها بعد يومين وقال:
«جهزي ملابسك، عندنا أسبوع.»
ظلت صامتة، وفي داخلها قرار آخر؛ كانت تريد أن تطلب الطلاق في الطريق.
لكن الصدمة كانت أن الشخص الثاني في التذكرة… كانت هي.
كم مرة نقتل شيئًا جميلًا في قلوبنا لأننا صدقنا خوفنا قبل أن نعرف الحقيقة؟
وفي قصة أخرى، كان زوج ينتظر زوجته التي تأخرت عن العمل.
طال الانتظار.
وانتهى به الأمر أن ذهب إلى مقر عملها متخفيًا، وسأل عنها.
فقيل له إنها في عملية، وأن خروجها سيتأخر؛ لأن هناك إجراءً طبيًا بعد العملية يتطلب الانتظار حتى يطمئن الأطباء إلى نجاحها.
عاد إلى مركبته.
ثم أرسل لها رسالة:
«أغلقي الكهرباء عن البيت، وبرسل لك موقع تقابليني فيه.»
وصلت إلى فندق الريتز كارلتون في الرياض، فإذا به ينتظرها في جناح ملكي، وكأنه يريد أن يقول لها:
نستطيع أن نعيش ليلة عرس جديدة، مهما أتعبتنا الأيام.
هكذا هو الإنسان.
نخطئ، نعم.
نخذل، نعم.
نغضب، ونشك، ونقصر.
لكن ليس كل تأخر خيانة، وليس كل صمت جفاء، وليس كل بابٍ مغلق يخفي خلفه شخصًا آخر.
أحيانًا نحن لا نعاني من الخيانة، بقدر ما نعاني من الخوف من الخيانة.
والخوف إذا كبر، جعل الإنسان يفتش عن جريمة لم تقع، ويعاقب شخصًا بريئًا على ذنب لم يرتكبه.
لذلك…
إن كان في قلبك إنسان أحبك بصدق، فلا تجعله يدفع ثمن خيانات الآخرين.
وإن أخطأت، فاعتذر.
وإن خذلت، فأصلح.
وإن وجدت قلبًا أحبك بصدق، فلا تختبر صبره كثيرًا.
نعم، نغلط.
نعم، نخذل.
لكن القلب الذي أحبك بصدق…
لا تخذله.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.