كُتاب الرأينحن طويق

أرض العزة

أرض العزة

حين يصبح الغرور مقدمة للسقوط

بدر بن سالم

قبل اثنين وثلاثين عامًا، وتحديدًا عام 1994م، ظهر فيلم الرسوم المتحركة «سيمبا»، الذي حقق نجاحًا عالميًا وحصد جوائز، وأثبت أن أفلام الأنيميشن قادرة على منافسة الأفلام الواقعية في التأثير وجذب الجماهير.
كانت قصته جميلة، تدور أحداثها في أرض العزة؛ تلك الأرض التي امتلأت بالأحقاد والصراعات بين ابن موفاسا وأخيه سكار. فهل كانت أرض العزة مكانًا للصراعات حقًا، أم أن الإنسان هو من يصنعها حين يستبد به الطمع والغرور؟
إن الإنسان قادر على صناعة الخيال بالكلمات، لكنه قد يعجز عن تحويل كلماته إلى واقع.
من ادّعى الحرية، ومن ادّعى الشجاعة، ومن تفاخر بأن جيشه الرابع عالميًا، وأن استخباراته من الأقوى في العالم، قد ينسى أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما يُقال، بل بما تثبته المواقف. وهناك مثل إنجليزي يقول إن الغرور يسبق السقوط.
أما منهجية «اكذب، اكذب حتى تصبح الكذبة حقيقة»، فليست سوى خيوط عنكبوت تتلاشى أمام أول ريح تكشف هشاشتها.
ودولة تتحدث عن النمو الاقتصادي، وترسم الوعود بأن عام 2050 سيجعلها من أعظم الاقتصادات في العالم، قد تكشف الأزمات العالمية، مثل جائحة كورونا، مواطن الضعف في اقتصادها. عندها تتراجع الوعود أمام اختبار الواقع، وتصبح الشعارات التي أبهرت الناس مادة للسخرية بدلًا من الإعجاب.
لا تنبهر بكلام أحد ما لم يسنده فعل.
وملياردير يُطلق الوعود تلو الوعود، فيظل الناس منبهرين بثروته، ويتساءلون كيف جمعها خلال عشرين عامًا. وقد يقطع عشرين وعدًا، فلا يتحقق منها إلا اثنان، ومع ذلك يبقى الإعجاب به قائمًا، وكأن الثروة وحدها دليل على صدق الإنسان ونجاح أفكاره.
وهنا تكمن المشكلة: أن ينبهر الناس بالصورة، وينسوا أن يسألوا عن الحقيقة التي تقف خلفها.
وفي حياتنا الشخصية، يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا قبل أن نطلب الصدق من الآخرين. فلا تُظهر لمن حولك أنك وحيد زمانك، وأنك تملك ما لا يملكه غيرك، بينما أنت تعيش على الوهم. قد تنخدع عائلتك بك لبعض الوقت، لكنك في النهاية ستجد نفسك محاصرًا بحبال أكاذيبك التي نسجتها بيديك.
كم من كذاب يشبه السراب؛ يركض خلفه الناس ظنًا منهم أنهم سيجدون الماء، فإذا بهم يموتون عطشًا، ولا يحصدون سوى الخذلان.
وكم من حالات طلاق كان الكذب أحد أسبابها؛ يبدأ الأمر بكذبة صغيرة، ثم تتراكم الأكاذيب، وتضيع الثقة، ويذبل الحب شيئًا فشيئًا، حتى لا يبقى بين الزوجين إلا مراعاة مصير الأبناء والخوف على مستقبلهم.
وقد يستشهد بعض الناس بحديث جواز الكذب بين الزوجين، دون أن يفهموا حدوده ومقصده. فليس المقصود أن يتحول الزواج إلى حياة من الخداع، أو أن تصبح الكذبة وسيلة لإسقاط الحقوق وإخفاء الحقائق التي يترتب عليها ضرر. إنما وردت الرخصة في مواضع محددة، منها ما يكون في الإصلاح واستدامة المودة، لا في ظلم الطرف الآخر أو أكل حقوقه.
وقد لا يكون الزوجان وحدهما سبب شتات الأسرة؛ فبعض العائلات تزرع بذور الفرقة حين تنظر إلى الزواج من زاوية المال والمكانة الاجتماعية، فتقول: «وش حدّنا عليه؟ وحنا بلشنا ببنت فقيرك!»
وكأن قيمة الإنسان تُقاس بما يملك أهله، لا بما يحمله من أخلاق ومروءة وصدق.
بدلًا من أن تكون الأسرة عونًا على بناء البيت، تصبح أحيانًا سببًا في هدمه. ولو ترك الناس الخلق للخالق، وابتعدوا عن المقارنات والتعالي، لوجدوا أن السعادة لا تُشترى دائمًا بالمال، وأن البيوت لا تقوم على المظاهر وحدها.
إن النفخ في النفس، والافتخار بما لا تملك، وادعاء ما لم تحققه، كلها أبواب للضياع. أما النجاح الحقيقي، فيبدأ حين يرسم الإنسان لنفسه طريقًا واضحًا، ويعمل بصدق، ويصبر على مشقة الوصول، حتى يبلغ ما يصبو إليه.
لا تنخدع بأرض العزة، ولا تصدق أن كل من ارتفع صوته امتلك القوة، أو أن كل من تفاخر بلغ المجد. فقد يغترب الابن عن أبيه، ويجور الأخ على أخيه، ويخدع القريب قريبه، ثم يكتشف الجميع أنهم كانوا أسرى أوهام صنعوها بأيديهم.
اعمل لتصل، واصدق لتبقى، واجعل أفعالك تسبق أقوالك؛ حتى يفخر بك من يراك قدوة، لا أن يكتشف يومًا أنك كنت مجرد صورة جميلة تخفي خلفها حقيقة مختلفة.

كاتب رأي

#نحن_طويق

 

 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.