كُتاب الرأي
الاديب اذا كتب مقالا

الاديب اذا كتب مقالا
بدو بن سالم
أذكر أوائل التسعينيات، حين كان الأديب إذا كتب مقالًا في جريدة الرياض أو عكاظ أو اليمامة أو الندوة، اهتزت له المجالس، وأصبح حديث السمر في البيوت والدواوين. كانت الكلمة تُنتظر، والرأي يُحترم، وكان الناس يختلفون أو يتفقون مع الكاتب بعد أن يقرأوه لا بعد أن يعدّوا متابعيه.
في ذلك الزمن كانت إجازة الأسبوع الخميس والجمعة، وكان للأدباء والمفكرين حضور يملأ المشهد. إذا تحدثوا تحدثوا بلغة العارف بخفايا الأمور، يوجهون النقد بعبارات تحفظ المقام، ويشيرون إلى الخلل دون أن يهدموا الجسور، فكانت الكلمة تجمع بين الحكمة والأدب والشجاعة.
أتذكر أولئك الأدباء الذين مد الله في أعمار من بقي منهم، ورحم من رحل، فقد كان لصمتهم معنى، ولكلامهم إيقاع. كنت أتمنى أن أكون مثل الشيخ علي الطنطاوي، أو حمد الجاسر، أو عبدالله بن خميس، حتى إني مسحت كثيرًا من كتبهم وأنا في العشرين من عمري أبحث بين صفحاتها عن سر ذلك البيان وذلك الأثر.
وأذكر أني كنت عند الشيخ سعد البريك رحمه الله، فاستشهد ببيت يقول فيه:
لو كان سهماً واحداً لاتقيته
لكنه سهمٌ وثانٍ وثالثُ
فشغلتني الأبيات، وجلست أبحث عن قائلها. قصدت مكتبة السويدي العامة، تلك المكتبة التي أُزيلت للأسف وحل محلها متجر للأواني، وكأن بعض طلب الدنيا أشد على التراث من التتار. سألت رجلًا عن البيت فقال: اذهب إلى مكتبة الملك فهد. وهناك استقبلني أمين المكتبة، فذكرت له البيت، فنسخ لي اسم الشاعر وعصره وسيرته، ثم قال: وفقك الله في جامعتك. ولم يكن يعلم أن الأمر لم يكن دراسة ولا بحثًا أكاديميًا، وإنما شغف وهواية وحب للمعرفة.
كان الأديب في ذلك الزمن محل عناية؛ لأنه صمام أمان المجتمع. أما اليوم فقد انزوى كثير من أهل الرأي والفكر، وتصدر المشهد من لا يملك إلا عدد المتابعين. صار بعض الناس يُقاس بما يلبس أو بما يملك أو بما يعرض من تفاصيل حياته، بينما تراجعت قيمة الفكرة أمام بريق الظهور.
ومع ذلك فلا يزال في الناس خير كثير. فقد تشرفت يومًا بأن أكون ضيفًا عند سعادة الدكتور سعود بن صالح المصيبيح، الأديب والإنسان والمربي الوطني، كما تشرفت بالسلام على صاحب المعالي الأستاذ حمد القاضي. كانت جلسة أدبية ضمت مختصين في الاستشارات الأسرية، لكن الحديث كان يزدان بالشعر والأدب، حتى خرجنا منها وكأننا أمضينا مساءنا تحت ضوء القمر.
وأذكر مساءً آخر في شارع محمد بن عبدالعزيز “التحلية”، حين دار حديث بيني وبين روائي معروف بعد صدور روايتي الثانية. تناقشنا طويلًا حول سؤال يشغلني: لماذا أصبح الأدب عند البعض تجارة؟ فضحك ثم استشهد بقول حافظ إبراهيم:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
ثم قال: الذهب هو الذي يبقى، أما كثير من اللمعان فيبهت مع الأيام ويُرمى.
فالناس تختلف مقاصدهم؛ فمنهم من يطلب المال، ومنهم من يطلب المنصب، ومنهم من يطلب الشهرة أو المظاهر. لكن تبقى الكلمة الطيبة، ويبقى العلم النافع، ويبقى الأثر الحسن. والمؤلم أن بعض الناس إذا وجد من يردعه خوفه من الله وصفه بضعف الشخصية.
وهل الخوف من الله ضعف؟
إذا كان كذلك، فقد رضي الأنبياء والصالحون بهذا الضعف المزعوم. لكن الحقيقة أن خشية الله ليست ضعفًا، بل قوة تردع صاحبها عن الظلم، وتمنعه من التعدي، وتجعله يراقب نفسه قبل أن يراقب الناس.
فمتاع الدنيا قليل، والجاه يزول، والمال يفنى، وتبقى الأعمال. وما يخلد في النهاية ليس ما جمعه الإنسان من متاع، بل ما تركه من علم نافع، أو كلمة صادقة، أو عمل صالح يجد أثره يوم لا ينفع مال ولا بنون.
