كُتاب الرأي
غربة الفكر

غربة الفكر
حين لا تكفي المعرفة لإعالة صاحبها
بدر بن سالم
حين يأتي الروائي أو صاحب الثقافة إلى مجلس أدبي، قد تراه يتحدث بشخصيات متعددة، ويتخير عباراته بعناية، خشية أن يُتهم بالتفلسف أو أن ينظر إلى الحاضرين من برج معرفي عالٍ. وقد لا يعلم بعضهم أن هذا الأديب يخوض معركة أخرى لا علاقة لها بالكتب والندوات؛ معركة المرض، وضيق ذات اليد، والتزامات الحياة التي لا تنتظر انتهاء روايته ولا اكتمال مشروعه الفكري.
هناك أديب يعاني المرض، وتثقل كاهله الهموم، ولا يجد في مجاله الوظيفي ما يتناسب مع ثروته العلمية. وحين يسقط مريضًا، قد لا يجد تأمينًا يغطي علاجه، ولا مظلة تحمي أسرته من تقلبات الحياة. ثم يبلغ الستين، ويظن أن سنوات العمل قد منحته شيئًا من الطمأنينة، ليفاجأ بأن النفقات تزداد، وأن الحاجة لا تعرف سن التقاعد.
الناس، عزيزي القارئ، تنظر إلى بياض الثياب الناصعة، والتكريمات، والحضور، والضحكات التي تملأ المجالس. لكنها لا ترى ما وراء تلك الصورة.
قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
إنها كرامة النفس التي تمنع صاحبها من إظهار حاجته، وأنفة الأديب التي تجعله يخشى أن يسقط من أعين محبيه إذا عرفوا شيئًا من معاناته. فيبتسم، ويجامل، ويتحدث عن الأدب، ثم يعود إلى منزله محملًا بما لا يعرفه عنه أحد.
وحين أتأمل حياة الكاتب، أتذكر أن النص الذي نقرؤه في دقائق قد يكون وراءه عمر من القراءة والبحث، وليالٍ من السهر، ومحاولات متكررة لصناعة عالم متكامل من الشخصيات والأحداث والمواقف. نحن نرى الكلمات بعد أن تخرج إلى النور، ولا نرى الساعات التي قضاها صاحبها في ترتيبها، ولا القلق الذي لازمه حتى استقرت في صورتها الأخيرة.
وقد يكتب الروائي سنوات، ثم ينتظر فتاتًا من أرباح كتابه، لا ليشتري به ترفًا، وإنما ليسدد التزامًا أو يعين أسرة أو يخفف عبئًا ماليًا.
ولست هنا بصدد الادعاء بأننا نعيش زمن الجحود وإنكار الجميل؛ فقد نلت من الثناء والترحيب في الأندية الأدبية في مختلف مناطق المملكة، وهذا ليس بمستغرب على أبناء هذه البلاد الكريمة. لكن التقدير المعنوي، على جماله وأثره، لا يسدد فاتورة العلاج، ولا يعين أديبًا على نفقات منزله، ولا يضمن له حياة كريمة حين تتقدم به السن.
إن صعوبة التخصص في الأدب لا تكمن في جمع المعلومات وصياغة الجمل فحسب، بل في أن تجعل من المعرفة مشروعًا مستمرًا، وأن تنفق من وقتك ومالك وطاقتك على شيء قد لا يعود عليك بما يكفي لمواصلة الطريق.
وقد استمعت إلى حديث الأستاذ ياسر مدخلي والأستاذة ابتسام التويجري عن صعوبة العثور على مكان مناسب لإقامة الندوات الأدبية. فتأملت المفارقة: قد يضطر الأديب إلى عقد لقاء ثقافي في مقهى لا يوفر الهدوء المطلوب، وتعلو فيه أصوات آلات إعداد القهوة، بينما يظل الضيف ملتزمًا الصمت والمجاملة احترامًا للمكان وأهله.
فإذا كانت الندوة الأدبية لا تجد مكانًا يليق بها، فكيف نتوقع أن يجد الأديب البيئة التي تساعده على تطوير مشروعه والوصول به إلى آفاق أوسع؟
والأشد إيلامًا أن نفقد أديبًا أو مفكرًا كان يمتلك عقلًا نيرًا، وتاريخًا من التأليف، وحجة قوية في الطرح، ثم نكتشف بعد رحيله أن ما تركه من كتب كان أكبر من الاهتمام الذي حظي به في حياته.
أين المبادرات التي تساند الكاتب؟ وأين البرامج التي تساعد أصحاب المشاريع الأدبية الجادة على مواصلة التأليف؟ وأين النقاد الذين لا يكتفون بالحكم على الأعمال، بل يرشدون أصحابها إلى ما يرتقي بها، ويفتحون أمامها أبواب النشر والتعريف والوصول إلى القراء؟
لا أقول إن دور الأندية الأدبية أن تتحول إلى جمعيات خيرية، ولا إن على الناقد أن يمد يده إلى جيب الكاتب، لكنني أؤمن بأن المؤسسات الثقافية تستطيع أن تتجاوز حدود الأمسيات والتكريمات إلى مبادرات عملية، كدعم النشر، وتقديم المنح، وإقامة برامج للإرشاد النقدي، وفتح قنوات تتيح للأعمال الجادة الوصول إلى دور النشر والأسواق.
لقد كنت أستمع إلى حديث الروائي بدر الفاهد، وهو يتناول واقع الرواية والنقد، ويلمس قضية أراها جوهرية: حاجتنا إلى ناقد صادق يبحث عن العمل الجيد، ويعينه على بلوغ مكانة أوسع، وربما الوصول إلى العالمية.
فالأدب ليس مجرد كلمات منمقة، ولا حروف متباعدة، ولا معاني ركيكة تُلبس ثوبًا فخمًا. إن وراء الرواية بناءً، وحبكة، وشخصيات، وسردًا، ورؤية إنسانية. ومن حق الناقد أن يعترض، ومن حقه أن يرفض العمل، لكن من واجبه المهني أن يقدم نقدًا يستند إلى معايير واضحة، لا إلى انطباع عابر أو رغبة في إظهار التفوق.
وكم يؤلمني أن يبذل الروائي سنوات في جمع المعلومات وبناء عالمه، ثم يأتي صاحب مسابقة فيختزل روايته في حكم مقتضب لا يوضح مواضع الخلل ولا يبين أسباب الرفض. وقد يكون الحكم صحيحًا، لكن المشكلة تبدأ حين لا يجد الكاتب تفسيرًا نقديًا يعينه على تطوير تجربته.
كما أنني أستغرب حين يتصدر الحديث عن الرواية من لا يمتلك أدوات نقدها، أو حين يتعامل بعض المتحدثين مع الأدب باعتباره مجالًا يسهل اقتحامه دون معرفة بتاريخه وفنونه وأساليبه. فكما لا نطلب من الطبيب أن يفتي في كل تخصص، لا ينبغي أن نخلط بين امتلاك الثقافة العامة وامتلاك أدوات النقد الأدبي.
أما الشهرة، فليست دائمًا دليلًا على جودة العمل، كما أن قلة الانتشار ليست برهانًا على ضعفه. وقد يظن بعضهم أن إثارة الجدل ومهاجمة الأسماء الكبيرة طريق مختصر إلى الجمهور، لكن الكاتب الذي يبحث عن محبة القراء من خلال مشروعه لا يريد جمهورًا جاءه بدافع الخصومة، بل قارئًا جاءه عشقًا لما يكتب.
وأنا، بوصفي روائيًا، لا أبحث عن تكريم يضاف إلى سيرتي، بقدر ما أبحث عن اعتراف صادق بقيمة الجهد. أذكر أنني حملت رواية إلى أديب أريد رأيه فيها، ولم يكن مرادي أن أسمع مديحًا، بل أن أجد كلمة من صاحب خبرة تساعدني على معرفة موضع قدمي. فكم تصنع كلمة صادقة في نفس كاتب، وكم تفتح أمامه من أبواب لم يكن يراها!
إن الكاتب لا يطلب من الناس أن يصفقوا لكل ما يكتب، ولا أن يمنحوه منزلة لا يستحقها. إنه يريد نقدًا عادلًا، وفرصة حقيقية، وبيئة تحترم المعرفة، ومؤسسات تدرك أن الثقافة ليست زينة للمناسبات، بل عمل يحتاج إلى رعاية واستمرار.
وأعتذر إن بدا في حديثي شيء من السوداوية، لكنني أرى أن تسمية المعاناة ليست تشاؤمًا، وأن الحديث عن احتياجات المثقف لا ينتقص من كرامته.
لقد تخيلت أحيانًا أرسطو حافي القدمين في أثينا، فيما يركب أصحاب المال العربات المذهبة. ليست العبرة في الحذاء ولا في العربة، بل في المفارقة التي تتكرر في كل عصر: قد يمتلك الإنسان ثروة المعرفة، لكنه يعجز عن توفير بعض ضروريات الحياة، بينما يمتلك آخرون أسباب الرفاه دون أن يحملوا من الفكر إلا القليل.
إن غربة الفكر موحشة، ولا سيما حين يجتمع الطموح مع ضيق الحال، وتكبر الأحلام فيما تضيق الإمكانات.
وحين يصطدم الكاتب بمن يقول له: اجمع كتبك، واشتر لك أغنامًا، فما تفعله لا يستحق كل هذا العناء؛ يجد نفسه أمام سؤال لا يخصه وحده، بل يخص المجتمع الذي يعيش فيه:
هل نريد من الكاتب أن يواصل الكتابة لأنه يؤمن برسالته، ثم نتركه وحده حين يحتاج إلى ما يعينه على مواصلتها؟
وهل يكفي أن نحتفي بالأديب في الأمسية، ثم ننساه حين تنطفئ الأضواء ويعود إلى بيته؟
إن الكاتب إنسان قبل أن يكون قلمًا، وله أسرة واحتياجات ومرض وشيخوخة، وله طموح قد يتجاوز إمكاناته، وإيمان برسالة قد يكون أكبر من قدرته على الاحتمال.
فليست كل ابتسامة دليلًا على الرضا، ولا كل ثوب أنيق علامة على الغنى، ولا كل أديب يقف أمام الجمهور يعيش حياة تشبه الصورة التي يرسمها الناس عنه.
تلك بعض هموم الكاتب: غربة، وطموح، وسعي إلى الوعي، ودخل قد لا يكفي، وإرادة تحاول أن تحمل حلمًا أكبر من الجسد الذي ينوء بأعبائه.
ومع ذلك يكتب.
يكتب لأن في داخله شيئًا لا يستطيع التخلي عنه، ولأنه يؤمن أن للكلمة أثرًا، وأن المعرفة تستحق أن تُنقل، وأن العالم الذي يبنيه في روايته قد يجد يومًا قارئًا يرى فيه ما لم يره الآخرون.
لكن أليس من حق هذا الكاتب، الذي يمنح الناس من فكره وعمره، أن يجد من يمنحه بعض العون ليواصل الطريق؟
