كُتاب الرأي
للسعوديين فقط

للسعوديين فقط
بدر بن سالم
حين ترى الأب أو الأم يقسو عليك، يأتي من خطا متقارب، ويضمك ويعطيك شيئًا قليلًا، لكنه ينسيك حزنك كله.
كم أحنّ إلى جدّاتي! تلك التي كانت تُفسد تربية العائلة بالهدايا، وحين بلغت سن النضج، صرت أبتسم كلما تذكرت جدتي أم سالم، رحمها الله.
كنا في ساحة الحرم، في صلاة المغرب، وكان أخي رائد قد تاه، فأخذته جدتي وصفّت به مع النساء. أقاموا الصلاة، وتقدّم الإمام عبدالله الخليفي، وقرأ من سورة النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، بصوته الذي يعرفه أبناء جيلي ومن يكبرونني سنًّا، أمدّهم الله بالعمر والصحة.
كيف لشيخ كبير في السن أن يهزّ بصوته أرجاء منابر الحرم؟ كان آية في التلاوة، رحمه الله.
انقضت الصلاة، وذهبت أبحث عن أخي، فإذا به بين النساء!
قلت له: يا رائد، الصلاة بين النساء لا تجوز!
فردّت جدتي: على كيفك الدين يا ولد سالم؟ قدام الكعبة، وتتفلسف علينا وأنت بزر! 🤣🤣🤣
جاء عمي عيد، وقال: صادقة جدتك. ثم أخذني على جنب وقال: راعِ شعور جدتك، سكرها منخفض وضغطها مرتفع، وأنت صحتك زينة، فلا تجادلها!
وأذكر أن جدًّا من أقاربنا، رحمه الله، كان إذا سمع طفلًا يبكي، طرد أباه وأمه من البيت!
ثم يأتي الأسبوع الذي يليه، وقبل الجمعة، التي كانت تختلف مواعيد زياراتنا لها بين الأربعاء والخميس والجمعة، لأن نهاية الأسبوع عندنا قديمًا كانت تبدأ من الخميس.
يتصل يوم الاثنين ويقول: العمر مضى، وجدّتكم تتعب، والقلوب ترقّ. فيأتون، وما إن يبدأ أحد الأطفال بالبكاء حتى يطردهم، شرّ الطردة!
وفي أحد أحياء الرياض القديمة، كانت لدى عائلة مناسبة كبيرة، فتشاجر الأطفال، وأغلقوا كيبل الكهرباء. فما كان منه إلا أن قال: اطلعوا من بيتي!
وبعد ثلاثين عامًا، نأتي إلى بيته، وننظر إلى عداد الكهرباء، وندعو له بالرحمة!
وكان لي رفيق من الغربية، تنبّهه عائلته دائمًا ألّا يتصل على الهاتف الثابت؛ لأن جدتهم المقعدة تنام، ولا يريدون إيقاظها.
وذات مرة، كان مستعجلًا ونسي المفاتيح، فاتصل على الهاتف الثابت. وكانت جدته تصلّي، فرفعت السماعة وقالت: مين؟
قال: يا ستي، نادي أحد يفتح الباب.
فنادَت: يا فلانة، الباب!
ثم أغلقت الهاتف وأكملت صلاتها.
أتيت أقبّل يديها وأقول: سامحيني يا ستي!
فقالت: قامت أذّن الصلاة!
وكان لي أخ من الجنوب، لديهم كبيرة في السن، رحمها الله. اتصل على الهاتف الثابت في ساعة متأخرة، فقال: هذا بيت فلان؟
فردّت عليه: غلطان، الله يقرّب أجلك!
كان والدي، رحمه الله، يعمل في المقاولات، وكان لديه قصر. وفي إحدى المرات، اتصلت صاحبة القصر، وذهبت مع والدي لكي يوصلني إلى بيت جدتي، فقد كانت الوالدة عندها.
كنت في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي، وكانت تمطر. وما إن رأتني صاحبة القصر حتى فرحت بقدومي، وأمطرتني بالحلوى والدعوات، وأكرمتني بأول خمسمائة ريال في حياتي!
قبّلت يدها ورأسها، ولا غرابة؛ فهم أهل الكرم، حفظهم الله.
وأذكر أن أخًا لي أصابه مرض، ولزم الغيبوبة يومين. وحين أفاق، كان أول ما شعر به مسحة على خده من يد جدته، وهي تتمتم بكلمات.
فتح عينيه، وكان يظن أنها تقرأ القرآن أو تدعو له.
وبعد أشهر، سأل جدته: وش كنتِ تتمتمين عليّ؟
قالت: ما قلت شيء، أنت بس كنت نايم بالسرير! 🤣
جميعنا نعلم أن كبار السن يحتاجون إلى الرعاية، لكن الأهم أن نقدّمها لهم بطريقة لا تكسر خواطرهم، ولا تُشعرهم بأنهم أصبحوا عبئًا على أحد، ولا تكشف حاجتهم أمام الناس.
أنا فقدتهم كثيرًا.
فقدتهم حين نذهب إلى البرّ والطبخ، وحين تأتي ليلة العيد، فتجتمع بنات عمي وخالاتي، وكأنهن ملاكمات بسبب الحناء على أيديهن! وأفتقد تلك الدعوات التي كانت تأتينا في كل وقت وحين، دون موعد أو مناسبة.
نحن السعوديين، لنا في كبار السن حكايات لا تنتهي؛ فيهم البركة، وفي مجالسهم الحكمة، وفي دعواتهم ما يطمئن القلوب.
هم ذاكرة البيوت، ودفء العائلة، والوجوه التي كلما غابت، اكتشفنا أن أشياء كثيرة في حياتنا لم تعد كما كانت.
كبار السن ليسوا ماضي العائلة فحسب، بل هم جزء من صلاح حاضرها ومستقبلها.
رحم الله من رحل منهم، وأطال الله في أعمار الأحياء على الطاعة والصحة والعافية.
فهم فخر لنا، ومن صلاحهم نتعلّم كيف يستمر الصلاح في أبنائنا وأحفادنا.
اللهم ارحم جدّاتنا وأجدادنا، واجزهم عنّا خير الجزاء.
